هل يؤثر المديح سلباً على صحة أبنائنا النفسية وما البديل؟ (تطبيقات عملية)

إن فقدان الصحة النفسية يعني فقدان السعادة والتوازن، والغيرة الشديدة من نجاح الآخرين، والإحباط السريع، وعدم القدرة على النجاح في إقامة علاقة زوجية هانئة، وعدم القدرة على تكوين علاقات اجتماعية دافئة، والمعاناة المستمرة في العمل، والمعاناة مع الاكتئاب، وهو المرض النفسي الذي يزداد يوماً بعد يوم، ولا شك أن للأسر الدور الأول في تربية أفراد يمتلكون أو لا يمتلكون الصحة النفسية والتوازن النفسي، وربما يكون هذا الابن غير المتوازن هو الأول على الصف، وربما يكون هو الأخير، فالعلامة المدرسية ليست عنواناً للصحة النفسية – كما يظن البعض، فما السبب الأكثر انتشاراً في الأسر الطامحة للتربية المميزة، والذي تقوم به اعتقاداً منها أنها تحسن إلى أبنائها، بينما يؤدي هذا الأسلوب إلى فقدان الصحة النفسية للأبناء وتعريضهم لمعاناة حقيقية في المستقبل، وأغلب الآباء غير واعين بهذا الخطأ؟
سأناقش في هذا المقال أسلوب غير تربوي يتبعه كثير من الآباء والأمهات ظناً منهم أنه سيؤدي إلى تربية مميزة لأبنائهم بينما هو حقيقة يدمر صحتهم النفسية وتقديرهم لأنفسهم وهو أسلوب:
السعي لتحسين السلوك من خلال المديح والنقد السلبي اللاذع للخطأ
إن تعريض الابن أو الابنة للنقد السلبي اللاذع عند قيامه بخطأ سواء بالكلمة المباشرة أو بالنظرة الكاسرة، ومدحه بمبالغة عند قيامه بالسلوك المرغوب ظناً منا أن هذا الأسلوب سيجعله كما نريد، هو من الأسباب التي تجعل أبناءنا يفقدون توازنهم وصحتهم النفسية بحسب ما تشير الدراسات لأن هناك مبالغة في النقد والمدح، بل قد يؤدي إلى اضطراب الشخصية والذي لا يظهر إلا بعد سن 18 عاماً، وللأسف أسلوب النقد والمدح منتشر في كثير من الأسر، وهو أسلوب خاطئ جداً، يجعل الإنسان أسيراً لنظرة الناس ورضاهم، شديد الحساسية لتميز الآخرين، سريع الإحباط، لديه تقدير ذات متدني، منتفخ ومغرور دون الاستناد إلى معرفة حقيقية لذاته، ولا يختار  أهداف تنم عن رغبة داخلية حقيقية ينمو من خلالها نمواً حقيقياً يؤدي إل الصحة النفسية.

فما الحل؟
أولاً: التعامل السليم مع خطأ الأبناء كما يلي:

1- أن تكون ردة فعلنا غير قاسية وشديدة عند الخطأ، سواء عن طريق التعليق أو النظرة القاسية، التي تشعره بالخوف أو التجريح لأنه أخطأ، بل مناقشته بهدوء ليتعلم من خطئه، فمن الطبيعي أن يخطأ الإنسان، والذكاء أن يتعلم من خطئه.

ومثال على ذلك: أن يُنزل الابن أو الابنة صورة غير لائقة على مواقع التواصل، فبدلاً من إشعاره بالخوف ونقده بصورة مبالغ بها، يجب أن نتكلم معه ونناقشه (من دون تخويفه):
لماذا لا يجوز أن ننزل مثل هذه الصورة على موقع التواصل؟ وعليّ أن أصمت وعليه هو أن يجيب، ثم نسأله: ماذا تريد أن تفعل بهذا الشأن؟ وهو عليه أن يتخذ القرار لإصلاح التصرف الخاطئ.

2- التغافل عن الأخطاء غير المهمة، ومناقشة الخطأ المهم حتى يستطيع أن يركز على المهم ويحسن من نفسه، فالطفل من الطبيعي أن تكثر أخطاؤه، لذلك فإن الله سبحانه لا يحاسبه، وكما يقال: تسع أعشار التربية في التغافل.

3- عندما يخطئ الابن أؤكد على التصرف الصائب وأرفض التصرف الخاطئ وأكرر ذلك بشكل مستمر، مما يرسخ قواعد التصرف الصائب في ذهنه.

وأمثلة على ذلك:
– أن أكرر عبارة “الضرب غير مسموح به في هذا البيت، استخدم الحوار لا الضرب” (كلما تكرر الموقف).

– وأن أكرر عبارة ” الكلام البذيء غير مسموح به في هذا البيت، وهو يعبر عن شخصية ناقصة فاقدة لاحترامها لنفسها”

– وأن أكرر عبارة “أعد الشيء لمكانه بعد الاستخدام، هيا تعال وضعه في مكانه”

ثانياً: التقدير وليس المديح:
التقدير هو: إعطاء قيمة للعمل الذي قام به هذا الشخص في الموقف الذي يستحق التقدير، وإذا تكرر العمل الصائب يمكن أن نعطيه سمة تقدير نتيجة هذا العمل الواضح أي تمنحه “لقب” كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما:
قدّر أبو عبيدة ابن الجراح بأنه “أمين هذه الأمة”، وقدّر أبو بكر الصديق بأنه “أشد أمتي رحمة”، وقدّر عثمان بن عفان أنه “أشد أمتي حياء”، وقدّر علي ابن أبي طالب أنه “المُخشوشِن في سبيل الله” وخالد بن الوليد أنه “سيف الله المسلول”، رضي الله عنهم أجمعين..
وهذه الألقاب لم تمنح لأي منهم من موقف واحد، بل نتيجة تكرار سلوكات إيجابية جعلت هذا الإنسان ممتلكاً للسمة ويستحق التقدير عليها.
أما المديح فهو: المبالغة في الثناء نتيجة قيام الشخص بعمل معين أو حتى بدون استحقاق، أو المقارنة بينه وبين الآخرين مقارنة تفضيلية تجعله يشعر أنه الأفضل، أو دفعه للتنافس ليكون الأفضل، أو نفخه ظناً أن هذا الأسلوب سيجعله واثقاً من نفسه أو سيجعله يقوم بما نريد، وأمثلة على المديح:

1- مقارنة تشعره بالأفضلية على غيره: كنت أجمل فتاة بالحفلة، لا أحد في أناقتك، لا أحد يفهم مثلك..

2-  مدح من دون بذل جهد: أنت ذكي جداً (مع أن الذكاء ينمو عند بذل الجهد، سيتعلم ألا يبذل الجهد)،

3-  مدح مبالغ فيه: أنت فنانة (وهي قامت بعمل فني بسيط)  

4-  نفخ: لا يوجد أحد مثلك.. أنت غير

5-  مدح للتنافس: أنت الأفضل، لا تجعل أحداً يسبقك

هذه الأساليب تجعل الإنسان مغروراً ومنفوخاً مثل البالون الفارغ، دون الاستناد إلى شعور حقيقي واقعي بتقدير الذات، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المديح نهياً مشدداً:
– 
عن أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (الإطراء): المبالغة في المدح.

–        وعن أبي بكرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رجلاً ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك! قطعت عنق صاحبك..» -يقوله مراراً- «إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يُرى أنه كذلك، وحسبه اللَّه ولا يزكى على اللَّه أحد» مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

–  إن رجلاً جعل يمدح عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فعمِد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك فقال: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وتأمل معي قوله صلى الله عليه وسلم “قطعتم ظهر الرجل” و “قطعت عنق صاحبك” كم هو تعبير بليغ عن أن هذا الإنسان فقد دافعيته الداخلية نحو التطوير الذاتي؛ وهي ورغبته في الانطلاق الحر نحو أهدافه المتولدة من قناعاته الصائبة، وهو ما يعبر عنه العلم اليوم بالعقلية النامية Growth mindset وعكسها العقلية الثابتة Fixed mindset، وكثير من الآباء والأمهات يمدح ولده أو ابنته ظناً منه أن ذلك سيجعله إنساناً واثقاً من نفسه والحقيقة أنه سيجعله عكس ذلك، إضافة إلى أنه سيصبح مغروراً وشديد الغيرة من تميز الآخرين.

 والصواب في التقدير لا المديح، وأمثلة على ذلك:

1- أحببت الألوان التي اخترتها، إنها تشعرني براحة كبيرة، طريقة تلوينك مميزة. (تقدير العمل بابتسامة صادقة)

2- يسعدني اهتمامك بمظهرك، أنت أنيقة. (تقدير العمل بابتسامة صادقة)

3- أنا سعيدة لأنك مُنظم وتتابع دروسك، أنت إنسان مجتهد. (تقدير العمل ولأنه تكرر منحته لقب “مجتهد”)

4- أحب جمال عينيك، أشعر بالسعادة وأنا أنظر إلى عينيك. (على أن تكون عيونها مميزة فعلاً)

5- الطريقة التي تتعاطف فيها مع غيرك تجعلك إنساناً خلوقاً ورحيماً، ان شاء الله تنال محبة الرحمن على رحمتك بالآخرين. (تقدير العمل بابتسامة مع التركيز على النية)

وحتى لا نقع في أسلوب “النقد والمديح” علينا تكرار استخدام عبارات تربوية هامة في تحقيق التوازن لدى أبنائنا مثل:

1- كل إنسان لديه قدرات مميزة في بعض المجالات، ولديه نقاط ضعف في مجالات أخرى، لا يوجد أحد ممتاز في كل شيء، ولكنننا نسعى دائماً للتحسين. (فكرة الذكاءات المتعددة) (كل ميسر لما خلق له)

2- الله جعلنا مختلفين في مجالات تميزنا، لنحتاج بعضنا ونتعارف ونتعاون ونتكامل، الله يحب العمل التعاوني (يد الله مع الجماعة)

3- كل إنسان لديه نقاط قوة، لن يتميز بها تميزاً حقيقياً ما لم ينميها بالعمل والاجتهاد والصبر. (فكرة العقلية النامية سبق الحديث عنها في مقالات سابقة)

4- ما دمنا نحاول فمن الطبيعي أن نخطئ، لا بأس أن نخطئ، المهم أن نتعلم من الخطأ، والذكاء ألا نكرر الخطأ نفسه.

5- المحاولة والتعلم من الخطأ ينميان الذكاء.

6- يجب أن نفرح لتميز الآخرين، لأنها فرصة للتعلم من تميزهم، وبتميزنا جميعاً تنهض أمتنا..

هذه الثقافة التربوية الهامة والتي ارتكز إليها ديننا الحنيف، وتدعو لها نظريات الصحة النفسية اليوم يرتكز لها منهاج تفكر، ومما لا شك فيه أن الأسرة – وهي الميدان التربوي الأول – يجب أن تتبنى هذه الثقافة لتربية أفراد متوازنين أصحّاء وأسوياء قلوبهم سليمة طامحين للعمل البنّاء بمحبة ورغبة داخلية للنهوض بهذا الواقع الذي يحتاجنا جميعاً أكثر من أي وقت مضى..
شاركونا أفكاركم.. ما هي ملاحظاتكم عن سلوك المديح والنقد اللاذع؟ من يعطينا أمثلة واقعية عن الأخطاء الموجودة؟ وكيف تؤثر سلباً على الصحة النفسية لهذا الجيل؟

(5) تعليقات


  • نهلة

    شكرا استادة موضوع مهم استفدت واقتنعت خاصة وانك عالجت الموضوع بامثلة من واقعنا وقدمت الحلول والبدائل


  • ساندي

    رائع شكرا لجهودك


  • احمد داود

    نقطة نقاش جميلة ومواقف واخطاء تربوية يقع فيها الاباء والامهات حقيقية، لا ادري اذا كان عمر الطفل يمكن ان يكون له اثر اكبر او اقل في تقدير الذات ؟ مثلا التعامل مع المراهق او المراهقة والمدح او التقدير هل يجب ان يكون كما هو اعلاه ؟ بينما اذا كانت الطفلة في عمر البراعم فصيغ المبالغة في المديح تكون اكثر وضوحا وفهما للطفل ؟ فهل هناك اختلاف حسب الفئة العمرية يجب مراعاتها ؟


  • جزاكي الله خيرا
    هذا الموضوع انتظره و محيرني
    نفع الله بك الامه


  • عماد

    أرجو تغيير الفونت المستخدم في الموقع ، فهو حدائي ولا تظهر فيه الحروف بشكل واضح . الخطوط المعروفة والتقليدية العين معتادة عليها ،
    واجهت صعوبات كبيرة فر قراءة بعض الكلمات في الأحاديث ،
    شعور الانزعاج من الفونت كبير أرجو استبداله لمصلحتك ومصلحة القراء والله الموفق



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!