هل نحن مهزوزو الثقة بأنفسنا؟

تمر بنا أيام نشعر فيها أن ثقتنا بأنفسنا باتت واهية ونشعر بالحساسية من ريشة تمر بجانبنا وأنها تثقل على صدورنا، فكيف نخرج من هذا القبو الذي يضغط على أنفاسنا ويجعلنا نشعر بأنه لا قيمة لنا في هذه الحياة؟

أود أن أوضح بداية حقيقة علمية تساعدنا للخروج من هذا القبو، وهي أن الثقة بالنفس تنبع من الداخل، وهذه النقطة مهمة للغاية، فهي الحبل الذي نمده بداية لنخرج من هذا القبو الذي يضغط على أنفاسنا.

هناك عدة أسباب تجعلنا نفقد الثقة بالنفس وأبرزها:

امتلاك آلية تفكير داخلية تقوم على المقارنة، بحيث أشعر أني رائع وأن لي قيمة إذا رأيت إنساناً بيته أقل من بيتي، أو شعبيته الاجتماعية أقل من شعبيتي، أو شهاداته أقل، أو وسامته أقل، أو قدراته أقل، أو علمه أقل، أو عائلته أقل.. الخ.. عندها أشعر أني أفضل منه فتنتشر مشاعر الارتياح بداخلي لامتلاك الأفضلية، وقد أشعر بالفخر عليه أو الزهو أو الكبر.

وأما إذا رأيت أو جالست من يفوقني في شيء من المظاهر التي يتفاخر بها الناس من مال أو جاه أو جمال أو صيت أو منصب أو أبناء أو علم أو شعبية اجتماعية أو نجاح معين عندها أشعر بأني أقل أو أني لا شيء فإما تتراجع ثقتي بنفسي أو أسعى للإساءة له ظاهراً أو باطناً لأرسم صورة جديدة له مشوهة بداخلي تبرد على قلبي ألم تميزه عني.

المقارنة هي آلة تفكير لا واعية تجعلنا نحفر بأنفسنا قبورنا لندفن فيها ثقتنا بأنفسنا، وهي آلية تفكير ربما اكتسبها البعض من آبائهم الذين كانوا يستخدمون أسلوب المقارنة لدفعهم للعمل، أو من خلال البيئات الصفية التي تدفع للتعلم من خلال المقارنة أيضاً، أو غيرها، والنتيجة أنه مع الوقت يصبح لدينا آلية تفكير لا واعية تقوم على فرز هرمونات السعادة أو فرز هرمونات التوتر من خلال المقارنة، لتجعلنا ننفش داخلياً بطريقة غير واعية أو نُحبط أو نغتاظ بطريقة لا واعية أيضاً.

وأؤكد لك بأن هذه النفشة الداخلية التي نشعر بها عندما نتعامل مع شخص نعتقد أننا نتفوق عليه لا تعني الثقة بالنفس بل على العكس هي علامة على تدني الثقة. 

وكلما كثرت المقارنة الداخلية ازددنا تعاسة وضعفاً من الداخل لنصل إلى الوهن الداخلي، لنبحث بعدها عن أقنعة مزيفة نغطي بها هذا الوهن من خلال النفاق أو التصنّع أو حب السيطرة أو التملّك أو التعلّق بالماديات أو الإساءة لغيرنا أو غيرها لنرتدي قناع الغنى الزائف أمام الناس وفقرنا ظاهر بين أعيننا.

فكيف نتخلص من آلية المقارنة اللاواعية؟

وكيف تبدأ ثقتنا الحقيقية بأنفسنا بالنمو لتبدأ مشاعر السعادة والرضا بالدخول إلى قلوبنا وحياتنا؟

أولاً: الوعي بوجود المشكلة والرغبة الحقيقية في التخلص منها، إن صَدقنا مع أنفسنا هو الباب الأول للتغيير، أما التستّر على مُشكلاتها سيزيد المشكلة سوءًا، وهذه نقطة البداية.

ثانياً: أن ننتبه إلى هذا التفكير عندما يحدث بداخلنا ونخرجه للوعي ثم نوقفه بكلمة نقولها لأنفسنا:

“توقف أيه التفكير فإنك تؤذيني وتؤذي إيماني”..

وبالتأكيد ستؤذي غيرك أيضاً بهذا التفكير وأنت لا تشعر، وسَتُفاجأ يوم القيامة بميزان سيئاتك وقد لَمّ ما لم وأنت غير واعٍ بما تفعل، لأن التوتر الداخلي الذي تحدثه المقارنة يتحول إلى ألم يخرج من خلال الإساءة لغيرنا سواء شعرنا بذلك أو لم نشعر، ولا يمكن للتوتر أن يبقى محبوساً بداخلنا.

ثالثاً: أن نستبدل التفكير بالناس بالتفكير بأنفسنا، أي معرفة ما نريده نحن ونحبه ويجعلنا نستمتع ونشعر بالرضا، حتى لو كان ممارسة تمارين رياضية معينة لمدة 20 دقيقة يومياً، أو مجال علمي نحب أن نتعلمه ونبدع به مثل لغة جديدة نرغب بتعلمها أو نتقوى بها، أو عمل خيري نحب أن نتطوع فيه، أو مشروع صغير نريد أن نبدأ به، أو أي شيء نشعر حقيقة أننا نريده.

إذا كنت لا تعرف ماذا تريد وماذا يُسعدك ابدأ بأشياء صغيرة تحب أن تفعلها لتبدأ دائرة الوعي بنفسك بالاتساع فتتعرف على نفسك أكثر وتميّز ما يرضيك ويسعدك.

رابعاً: إذا كنت تعتقد أن ما يرضيك مرهون بما يقدمه الناس من أجلك فستزداد تعاستك يوماً بعد يوم وتصل مع الوقت إلى السخط التام وانعدام الثقة بالنفس، لأن الثقة بالنفس تنمو كلّما قدمنا للآخرين وتخلصنا من أنانيتنا، وتتراجع عندما ننتظر منهم المقابل، فاخرج من إطار التفكير بالناس وحاول أن تتعرف على نفسك وتُصاحبها بالتركيز على نموها وليس بتنمية التركيز على غيرك. 

خامساً: إذا كنت ممن يدمن استخدام الهاتف أو الألعاب الالكترونية أو ما شابه فهذه علامة على تراجع ثقتك بنفسك، لأن الإدمان وسيلة للهروب من الواقع، حتى إذا ما عدت إليه وجدت أن الإحساس بالنقص يكبر بداخلك وأنك لا تدري هل تُقبل على الانتحار أو تزداد إدماناً فتدفن نفسك حياً أو ميتاً.

والصواب أن نعي أن هروبنا إلى الهاتف وإدماننا عليه هو علامة على تدني الثقة بالنفس، وأن الحل بالعودة إلى النفس وفهمها والاهتمام بها بما يصلحها ويسعدها.

سادساً: إيقاد شعلة الروح، إن إيقاد هذه الشعلة هو أسرع طريقة للرضا والارتياح وبناء الثقة بالنفس، هذه الشعلة توقد عندما نوجه بوصلتنا الداخلية نحو مرضاة الله بحيث يكون نيل مرضاة الله هو همنا الأكبر، أن يكون الله سبحانه هو همنا حقيقة وليس شعار نرفعه أمام الناس، وكشف الزيف في هذا الأمر أن يجن جنوننا من كلمة تمس كبرياءنا أو قرش نخسره أو نكتسبه فهذا علامة على خواء الباطن من التعلق بالله.

عندما يكون الله سبحانه هو أكبر همنا نستيقظ وقربنا منه هو غاية أرواحنا، فنفرز هرمونات السعادة كلما اقتربنا منه، هذه الهرمونات العميقة جداً في الدماغ تعالج هرمونات النفشة الشيطانية التي تفرزها آلية المقارنة المريضة، كما تعالج هرمونات التوتر التي تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس عندما نستاء من شخص يتميز علينا في شيء، فعندما نقبل على الله بصدق ونذكره بحب وصدق إقبال تتغير آلية فرز الهرمونات بحيث تصبح داخلية لتعتقنا من آلية المقارنة الخارجية التي تجلب لنا السخط وتراجع الثقة، فيتحول نظرنا اللاواعي من الناس إلى الله.

بداية نحتاج أن نصبر لتقوى أماكن فرز هذه الهرمونات في الدماغ، وتبدأ بالتدفق فتوقد الشعلة الداخلية التي تضيء لنا الحياة بنور يجعلنا نرى الله ونعرفه ونقدره سبحانه، فنقدر أنفسنا ونقدر غيرنا، ونفرح بعطاء الله لنا ولغيرنا، ونرى حكمة الله تتجلى في كل عطاء وفي كل منع، فلا يعود يحزننا المنع ولا يفرحنا العطاء الدنيوي أو المعنوي ما دامت ثقتنا بأمر الله وحكمة قضائه هي بوصلة تفكيرنا وبالتالي الموجهة لمشاعرنا، فيدخل الارتياح والرضا إلى نفوسنا وتنتشي أرواحنا بهرمونات السعادة الداخلية والحقيقية التي تجعل باطننا يشتد وثقتنا بأنفسنا تنطلق.

نسأل الله الهداية والسلامة من أمراض عصرنا التي تحرمنا توفيق الله وتأييده وتجعلنا منهزمين من الداخل مشوهين لصورة المجتمع المثال الذي استخلفنا الله لحمل رسالته، وسنُسأل.

وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم” (محمد/38)

 


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

(5) تعليقات


  • الله التوفيق.

    جزاك الله عنا كل خير. تابعي يا أمة الله و جهادك مأواه الجنة إن شاء الله. نحن معك في جهادك و الله المستعان. نسأل الله


  • ما شاء الله كلام رائع يحتاج الى تطبيق


  • رائع جدا تنبهت على أشياء كنت أجهلها وبالفعل أهم شيء السعي لمرضاة الله عز وجل… مقال ممتاز بوركت أستاذة مها


  • رحيمة ايوب

    أكثر من رائع أستاذة.. أصبت صميم المشكلة، جزاك الله خيرا وتقبل منك


  • جزاكي الله كل الخير دكتوره كلام منسق وتحليل رائع للمشكله واعطاء حلول عمليه وواضحة وبسيطة اسلوب اكثر من رائع اشكرك



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!