هل تمنح ولدك الحرية النفسية أم تقتل إبداعه وأنت لا تدري؟

يولد الطفل منطلقاً محباً للمعرفة والاكتشاف.. طبيعياً خالياً من التصنع.. بريئاً خالياً من النفاق.. ثم يبدأ فيكبر والأهل يرونه أهم منتج لأحلامهم وطموحاتهم.. وأن هذا المنتج يجب أن يكون مثالياً قدر الاستطاعة ليعبر عن روعتهم.. فيبدأ الأهل في رسم الخطوات التي يجب أن يسير عليها بدقة من خلال الإرشادات المستمرة.. ومدحه عندما يسير عليها وتوبيخه عند الخطأ.. فيسير يوماً بعد يوم.. ولم تتح له الفرصة -عادة- ليعبر عما يريد وعما يرغب وعما يحب، بسبب الصورة النهائية التي يجب أن يحققها، وبسبب أنه صغير لا يعرف مصلحته بعد؛ تغيب إرادته الذاتية مع سطوة إرادتنا وتحكمنا به فيفقد الطفل شعوره بالحرية النفسية ويبدأ الكبت..
يحتاج الطفل أن يشعر أنه قادر على الاختيار.. قادر على التعبير.. قادر على الشعور بالاستقلالية.. وأنه كائن مختلف عنا.. له تفرده وكيانه.. له آراؤه وأفكاره.. وله مشاعره وحاجاته الخاصة..
عندما يكبر الطفل ويصبح فتى على أعتاب الجامعة – ولم تمنح الحرية النفسية – تسأله ماذا تريد أن تدرس في الجامعة؟ فيقول: لا أدري حسب المعدل!.. لكن أهلي حابيني أكون مهندس!
عندما يخسر الطفل الشعور بالحرية النفسية يبدأ الكبت.. وعندما يبدأ الكبت تتراجع الثقة بالنفس ويتراجع تقدير الذات.. تتراجع معرفة الذات.. معرفة ما يريد الإنسان وما يحب وما يستمتع بالقيام به فعلاً.. فينتكس الإبداع.. لأن الإبداع لا ينمو إلا في ضوء الشعور بأني قادر على الاختيار وأعرف ما أريد وأحب ما أفعل.. أي لا ينمو إلا في ضوء الاستقلالية.. تشير الدراسات العلمية بأن جميع المبدعين الذين أضافوا شيئاً مبتكراً لمجتمعاتهم؛ قد وفرت لهم أسرهم الشعور بالاستقلالية والحرية النفسية، ومنحتهم حرية التعبير وحرية التفكير وحرية الاختيار..
قد نحرم ولدنا حرية الاختيار خشية أن يخطئ.. ولكنه سيخطئ أكثر في المستقبل لأنه لم يستطع أن يصقل مهارة اتخاذ القرار التي لا تنمو إلا في ضوء الممارسة، يحتاج ولدنا أن يبادر فيصيب مرة ويخطئ أخرى ليتعلم كيف يتعلم من خطئه فينمو ويتطور. إنه إذا كان يخشى الخطأ لن يبادر إلا في حدود تقليدية ضيقة تجعله إنساناً محدوداً يخشى المبادرة إلا إذا كانت مضمونة مئة بالمئة، فيفقد المغامرة ومعانقة التحديات والقفز على سلم التطور الذاتي والمجتمعي..
دعوه يبادر دون خوف ويتعلم أن الأخطاء الجديدة هي طريق التطور والإبداع..
كثير ما يساء فهم هذه الحرية بسبب خوفنا من أن ذلك قد يؤدي إلى التفلت من الدين.. وهذا الخوف ليس في مكانه.. لأننا يجب أن نغرس الإيمان والعقيدة والقيم ونترك لأبنائنا حرية التعبير والاختيار فيما يخص حياتهم..
فمثلاً..
عندما نجبر الطفل أن يأكل ما نريد سيشعر بالقمع والكبت.. ونحن نستطيع أن نتيح له الاختيار ونحاوره أنه من الجيد أن يأكل قليلاً من هذا الطعام من أجل أن هذا الطعام مليء بالفائدة ويمنحه القوة.. ثم يستطيع أن يأكل بعدها ما يحب..
عندما نجبر الطفل أن يرتدي ما نريد سيشعر بالقمع والكبت.. ونحن نستطيع أن نتيح له الاختيار بين أكثر من لبسة وهو يختار ما يريد، حتى نزيل عنه الشعور السلبي بالقمع والكبت وقهر التحكم، ويتدرب على اتخاذ القرار..
عندما نجبر ابننا أو ابنتنا أن يصاحب فلان أو فلانة ويترك فلان أو فلانة سيشعر بالقمع.. بل يجب أن نحاور أبناءنا في أهمية الصحبة الصالحة وأثرها على تطور شخصياتهم ودينهم وسلوكهم من خلال طرح السؤال عليهم: ما تأثير الصحبة على شخصية الإنسان؟ وعلى دينه؟ وعلى سلوكه؟
ثم نسأله: كيف ترى فلان؟ ما السلبيات التي يمكن أن تؤثر عليك إذا كنت صديقاً له؟
كيف يمكن أن تحمي نفسك من هذا التأثير؟ ماذا يمكن أن تفعل؟
بدل من أن أقول له دون حوار أو نقاش: لا يجوز أن تخرج مع فلان (يغمره الشعور بالقمع) دون أن يعي الأسباب الحقيقية، فيحاول أن يفرغ الشعور بالقهر بطرق غير صحيحة تجعله يسيء التصرف والسلوك ويتمرد، أو يصبح إمعة لا رأي له ولا قرار..
عندما يشعر ولدي بالقهر والكبت أنه فاشل وغير مرضي عنه بسبب معدله الدراسي المنخفض.. وأن لا قيمة له إلا في حال غيّر وضعه سيشعر بالقمع وينتكس تقدير الذات مما يجعل معدله يتراجع أكثر وأكثر، والصحيح أن أكتشف أولاً ما هي قدراته المرتفعة وما هي ذكاءاته ومواطن القوة التي يمتلكها (وقد لا تكون أكاديمية)، ثم أعززها من خلال الثناء عليها وتشجيعه أن ينميها، وأن يدرس تخصصاً يتلاءم معها.. ثم أساعده أن يدرس الأسباب التي تجعل معدله منخفضاً وأن يضع لها الحلول من خلال خطة تعينه على ذلك..
عندما يريد ولدي أن يسجل في شيء أو يذهب إلى مكان ثم أقول له “لا” من غير أن أحاوره وأستمع له: لماذا يريد ذلك؟ وما هي السلبيات والإيجابيات؟ لا شك أنه سيشعر بالقمع والكبت..
كثيراً ما نتحكم بأبنائنا ونقمعهم لأننا قُمِعنا، أو لأن سطوة التحكم تعطينا شعوراً بالقوة نعوض من خلالها مشاعر نقص تنتابنا، أو لأننا لا نريد أن نفكر وندخل في حوارات وجدل يسبب لنا التعب ووجع الرأس، أو لأننا لا نعرف كيف نمنحهم الحرية النفسية ولم نتربّ عليها، ولكن العواقب ستكون وخيمة وسنحاسب على ذلك، لأن منح الحرية النفسية للطفل ولأبنائنا هو حق لهم؛ من دونه سيشعرون بالاختناق أو الرغبة في التمرد أو يصبحون عبيداً وإمعات لنا أو لغيرنا، لا شخصية لهم ولا كيان..
فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم، شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ تبعتُمُوهم، قلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمَنْ؟ البخاري: 7320
وجحر الضب معروف بشدة القذارة وليس له إلا فتحة واحدة، ولا سبيل للنجاة من دخوله إذا دخل وراءه عدو، فلا يدخله ذو لب، ولكن التشبيه هنا بليغ، كناية عن فقدان الوعي والبصيرة والتفكير المنطقي؛ بسبب ضعف تقدير الذات والحرية النفسية التي تجعل الإنسان مستقلاً حر الإرادة، لا يقلد أحداً تقليداً أعمى.
لم يتحكم حبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه بمن حوله أبداً ولم يسلبهم حرية الاختيار والإرادة، بل كان عليه الصلاة والسلام يستشير من حوله ليشجعهم على التفكير ويعلمهم الحكمة ومهارة اتخاذ القرار، ينمي شخصية القائد في كل منهم.
استشار أصحابه يوم بدر ونزل على مشورتهم عند الماء.. واستشار أصحابه يوم الخندق ونزل على رأي سلمان الفارسي بحفر الخندق.. ويوم الحديبية أنزل الجيش كله على رأي زوجته أم سلمة عندما حلق ونحر ليشجع أصحابه على قبول ما حدث، وغيرها في الكثير من المواقف؛ مع أنه عليه الصلاة والسلام المعلَّم من عند الله الذي لا يحتاج إلى مشورة أحد، لكن ليكون قدوة لنا في تربية وبناء الإنسان، وصناعة المبدعين والقادة..
لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا” رافضاً طلب أحد بل كان سهلاً يعلمنا أن على المربي أن يكون سهلاً حتى يشجع على المبادرة والاستقلالية واتخاذ القرار:
عن أَنَسِ بْن مَالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ:
إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.
نبي البشرية وقائد الأمة تأخذ الأمة بيده فيجيبها إلى حيث تشاء لتشعر أنها حرة وقادرة على الاختيار واتخاذ القرار..  حقاً إن سهولة المربي تصنع المبدعين، وقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلاً غيّر وجه التاريخ.. جيلاً حر الإرادة وحر الاختيار.. لم يخضع إلا لله سبحانه..
من نحن لنجعل هذ الطفل المنطلق ظلاً لنا؟ بأي حق نفقده عفويته وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون التي سخرت من أجله لأن عليه أن يحيا في ظل معرفتنا المحدودة وتفكيرنا التقليدي؟
إن التحكم بأبنائنا وفرض سيطرتنا عليهم من دون حوار ونقاش وإتاحة حرية الاختيار يفقدهم الشعور بالحرية النفسية.. وبالتالي يفقدون الاستقلالية التي يقوم عليها الإبداع.. فلا يجرؤ أحد على وضع حلول إبداعية لواقعنا المرير.. لأن الإبداع يقوم على الجرأة والخروج عن المألوف وعدم الانصياع للأخطاء الموجودة والموروثة..
تلك الجرأة المفقودة في أمتنا منذ خمسمئة عام تقريباً – كما تشير الدراسات العلمية، أي منذ سقوط الأندلس، سيطرت العادات والتقاليد في التعامل مع الأبناء وليست روح الإسلام، وأصبح الأهل يستعبدون أبناءهم باسم البر، ليعوضوا الشعور بالنقص الذي ينتابهم، من خلال التحكم وفرض السيطرة، ومن ورائهم المعلمين، ليلبوا رغباتهم الذاتية (المقموعة سابقاً) بدل اكتشاف رغباته، وشعورهم بالقوة (الزائفة) بدل أن يمنحوه الشعور بالقوة.

وعندما عبر المفكر مالك بن نبي عن أهم أسباب تخلفنا الحضاري لخصها في سببين رئيسين هما: ضعف فاعلية الفرد والقابلية للاستعمار، وهما نتاج ضعف الحرية النفسية التي نتحدث عنها في هذا المقال.
لا نقول أننا يجب أن نربي أبناءنا على التمرد علينا.. بل يجب أن نغرس فيهم الإيمان والعقيدة وقيمة بر الوالدين واحترام المعلم والكبير ونحن نمنحهم الاستقلالية والحرية النفسية التي من دونها لن تقوم لنا قائمة وسنظل ندور في دائرة التخلف والضياع بسبب غياب الإبداع والجرأة على التغيير.

كيف نوفق بين الحفاظ على سلطة الوالدين ومنح الحرية النفسية؟

 

عندما يأتي ولدي المراهق فيطلب مني أن يخرج ليلعب مباراة كرة القدم ولديه امتحان مدرسي في اليوم التالي فإني إن رفضت طلبه فوراً دون أن أستمع له سأكون قد سلبته الحرية النفسية، وإن وافقت على طلبه دون نقاش، سأكون قد تخليت عن مسؤوليتي كأب أو كأم، فما الحل؟
على أن أحاوره بداية وأسأله: كيف ستخرج ولديك امتحان في الغد؟
فإن كانت إجابته مقنعة (مثل أن يكون قد درس الامتحان في السابق، وأنه لن يتأخر حتى يراجع المادة مرة أخرى) فربما أقنعني ووافقت له، وإن لم أقتنع بإجابته في وضع كهذا فإن لي حق الرفض، لكن من دون إشعاره بالقمع، سأقول له: أحب أن تخرج وتلعب رياضة مع أصدقائك، ولكن لديك امتحان، لا أستطيع أن أوافق لك على شيء يمكن أن يضرك، سامحني.
ولكن كم مرة يتكرر موقف كهذا؟ كم مرة علي أن أرفض لأن هناك ضرر قد يصيبه؟
أكثر الآباء يرفضون من دون حوار ولا نقاش وذلك ما يؤدي إلى القمع.. تشير الدراسات والأبحاث العلمية أن السبب الأول في قتل الإبداع في الوطن العربي هو قمع الحرية النفسية للأبناء باسم بر الوالدين دون وعي من الآباء.
إن منح الحرية النفسية للأبناء لا يلغي امتلاك الوالدين للسلطة، وأن بيدهما القبول والرفض، ولكن يعني أني سأحاور وأسأل وأستمع، وأني قد أغيّر رأيي لأن ولدي يعرف ما يقوم به، وقد لا أسمح له لأن هناك ضرر قد يصيبه لا يدركه، وقلما يكون هناك ضرر حقيقي، فكثير من القرارات لا يترتب عليها ضرر، بل هي فرصة لتعلم مهارة اتخاذ القرار، والشعور بالحرية النفسية لبناء تقدير الذات وتنمية الإبداع، وصقل شخصية القائد في داخلهم.
إن أبناءنا يحتاجون أن يشعروا بالحب والقبول دون شروط.. وأن يمتلكوا الإرادة ليشعروا بذواتهم.. عندما يشعر الأبناء أن عليهم أن يرضوا آباء يصعب إرضائهم، سيفقدون ذواتهم الحقيقية، ويرتدون أقنعة مزيفة، فيقولون ما يريد أن يسمع الناس لا ما يريدون أن يقولونه هم حقيقة، ويقومون بما يتوقع الناس لا ما يريدون أن يقوموا به حقيقة، لعلهم يحصلوا على القبول المفقود، وهنا يكون الإنسان قد فقد عفويته وفقد إبداعه لأنه فقد نفسه في ظل الآخرين.. بل يكون قد فقد وجهته نحو الله.. لأن في أعماقه شعور لا ينتهي أن عليه أن ينال استحسان الناس؛ بدل من أن يتعلق باطنه بمرضاة الله وتوحيده.
استمتعوا بأبنائكم ودعوهم يشعرون أنهم مقبولين دون أن يشعروا بالذنب أنهم لم يرضوكم بعد.. حتى لا يعيشوا في كنف الشعور بالنقص والبحث عن الرضا في أعين الناس.. فيلتفتون إلى أنفسهم ويعرفونها ويقدّرونها.. ويخرجون أجمل ما فيهم موجهين أنفسهم لما أراده الله لهم: بناء حضارة تؤمن بالله..
(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الأنعام: 62-63


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!