هل انتبهت إلى نفسك، ما هي الهرمونات التي تفرزها عندما ترى أحداً مميزاً؟ 

تختلف هذه الهرمونات بحسب تجارب سابقة مرت بنا تشكل ردود أفعال معينة لدينا، وهي تؤدي إلى أن نصبح شاكرين أم متكبرين، واثقين أم مهزوزين، سعداء أم تعساء، كما يلي:

1- المؤمن يفرح عندما يرى أحداً ما مميزاً فيفرز هرمونات السعادة مستحضراً عطاء الله وكرمه على الناس وعليه، فإن كنت من هؤلاء فاشكر الله وادعه أن يثبتك ويزيدك.
2- أحياناً تكون ردة الفعل لدينا بأن نشعر أننا لا شيء عندما نرى أحد مميزاً، وهذه من الشيطان لأننا في هذه اللحظة ننسى نعم الله علينا وننسى عدل الله وحكمته وكرمه، إضافة إلى أن تقدير الذات لدينا سينخفض جراء هذا التفكير، وإذا استمرينا على هذا التفكير سنصبح مهزوزين من الداخل ومتجنبين لرؤية الناس المميزين لتجنب هذه المشاعر السلبية، فنفقد الطموح والثقة بالنفس معاً.
3- أحياناً تكون ردة فعل الشخص إذا رأى أحداً مميزاً في شيء أن يغتاظ ويتضايق لأنه يحب أن يرى نفسه هو فقط الأفضل دون سواه، وهذا يحدث بسبب هرمونات تم ضخها من تشابكات سابقة في الدماغ، وهذه التشابكات تم بناء دوافعها أنني أنا الأفضل ولا أحب أن يكون غيري الأفضل.
والتي كانت سبباً في طرد ابليس من الجنة “أنا خير منه”، وتؤدي إلى طردنا نحن ايضاً إذا ما سلكنا تفكيره وشعوره المريض “لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر..”

من أين أتتنا هذه الدوافع الشيطانية؟

تأتي هذه الدوافع الشيطانية عندما يدفع الأهل أبناءهم للتميز بطريقة خاطئة “أنت الأفضل”.. “لا ترضى بأن يسبقك أحد”.. وعندما يظهر الغيظ على وجه الأم أو الأب أمام أبنائهم عندما يرون نعمة على أحد، وقد تزداد سوءاً عندما يتكلمون بكلمات تسيء لهذا الشخص المتميز أمام أبنائهم ليطفئوا نار الحسد في أذهانهم وقلوبهم، بتشويه صورته أمامهم وأمام غيرهم.

ثم تأتي المدارس لتكمل هذا الغرس السلبي عندما تمدح أوائل الصف بأنهم هم الأفضل وتكرمهم وتحتفل بهم بشكل دوري، وتضع التفوق الدراسي شرطاً للإحساس بالقبول من المعلم. فيشعر الأول على الصف بأنه فوق الناس وأفضل منهم، ويشعر الآخرين بالدونية، خاصة إذا كانوا من الفئة الأخيرة في الصف. وقد ينشأ لديهم حقداً على الفئة المتفوقة إذا ما قام المعلم بالمقارنات السلبية التي تجعلهم يكرهون أنفسهم ويكرهون الأوائل.

إن نظام العلامات المدرسية إذا ما تم تقديسه من قبل الأهل والمعلمين والدوران في فلكه ليصبح الرضا والقبول مرتبطاً به، فإنه يؤدي إلى أمراض القلوب وإلى حرمان توفيق الله وإلى حرمان السعادة في الدنيا والآخرة، فالذي يبتغي التفوق ليكون هو الأفضل ويكره الخير لغيره، سيتألم من كل خير يراه على أحد من الناس إن كان لا يمتلكه هو، والخير من الله لا يتوقف عند أحد، وإن كان ممن يحقد كلما رأى خيراً عند أحد، فسيحيا حاقداً متألماً تحرق أحقاده نوره وحسناته لأنه ساخط على عدل الله وأقداره غير ملتفت إلى نعم الله عليه.

ما الحل؟

إن هذا التفكير السلبي الذي نراه منتشراً في مجتمعاتنا مع الأسف هو سببٌ لحرمان توفيق الله ونصره لأنه مبني على السخط وكره الخير، وهو يحتاج إلى علاج لهذه التشابكات السلبية التي تراكمت عبر السنوات، ويمكن ذلك من خلال:
1- الانتباه إلى ردود أفعالنا الخاطئة أي رفع الوعي الذاتي، والاستغفار بألم عليها “التوبة المتجددة” حتى نبني تشابكات في الدماغ منفرة من السلوك القديم.
2- الانتباه إلى المميزات والنعم التي أكرمنا لله بها والشكر عليها شكراً عميقاً بحضور القلب، يفرز نشوة مرتبطة بالتواضع والتذلل لله، تعالج المشاعر السلبية “نشوة الكبر”.
3- أن نستحضر شخصاً في خيالنا أنعم الله عليه نغتاظ من تميزه، ونفكر بإيجابية بطريقة تجعلنا نحب له الخير فمثلاً نقول لأنفسنا: عندما أرى أناس مميزين يمكنني أن أتطور في حياتي لأني سأتعلم منهم كيف تميزوا، عندما يتميز أفراد أمتنا تنهض أمتنا، يجب أن يتميز الجميع حتى ننهض، أحب أن أراه سعيداً لأني مؤمن أحب الخير للآخرين. أو أي تفكير تستطيع أن تفكر به بحيث يكون مؤثراً فيك بطريقة إيجابية، لكن تذكر أنك يجب أن تكرره حتى يلغي التشابكات القديمة.
4- جميع العبادات تطهر القلب من صلاة وذكر وصدقة ومساعدة للناس وقضاء حوائجهم وكلما كنا أكثر خدمة للناس كلما طهرت قلوبنا.

عندما قمنا بتطبيق المستوى الرابع من المنهاج أفكاري ومشاعري والذي يهدف للإيجابية والرضا وحب الخير للناس والثقة بالنفس، تفاجأنا بأن بعض الأوائل في الصف هم الأكثر مرضاً وكرهاً للخير لغيرهم، فلا ندري ما الفائدة من متفوق مريض؟ هل يُرجى منه خيراً؟
فالوضع يحتاج حقيقة إلى إعادة النظر في أساليبنا، وحتى ننجح يجب أن يعتاد أبناؤنا الشكر لله على النعم، وأن يندفعوا للتميز ابتغاء مرضاة الله، “ادرس حتى يرضى الله عنك، فمن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة”، “ادرس حتى تنفع مجتمعك وأمتك”، “ادرس فالعلم قوة والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله..” وهكذا..
وفرصة لنا في رمضان أن نطهر قلوبنا وقلوب أبنائنا بأن ندفعهم إلى مرضاة الله فقط، لا للتكبّر ولا للكسب المادي ولا للظهور أمام البشر، فإنا وإياكم والناس الذي نريد أن نظهر أمامهم ما نحن غداً إلا جماجم تحت التراب، ولن يبقى لنا إلا نياتنا التي تعمقت في تشابكات دماغنا عبر السنوات، والتي توجه مدى إخلاصنا لله وتحدد منزلتنا يوم القيامة.. يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. (الشعراء آيه 89)
نفعنا الله وإياكم ببركات رمضان ورفعنا وطهر قلوبنا. 
وكل عام ونحن جميعاً بخير، ونحن نحب الخير، لأنفسنا وللناس وللجميع.


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 

تعليقان


  • Lina daaboul

    مقالة رائعة ماشاءالله نفعكم الله بعلمكم ونفع بكم …. سؤال عندما لا يحقق الطفل التفوق الدراسي ماالتصرف الصحيح الذي نرفع به من عزيمته ولا نحبطه وبنفس الوقت لا نظهر له ان التفوق غير مهم ويعتاد على ان يبقى في نفس المستوى


  • Mariam

    ماشاء الله
    مقالة رائعة
    زادكم الله علما ونفع بكم



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!