لماذا لا نرضى عن حياتنا؟

سؤالٌ كبير.. ربما تنقضي حياتنا كلها وما وجدنا له إجابة.. ولكنه لبّ الراحة والسعادة.. يستحق أن نتعرض له ولو أجبنا عنه بجزء يسير..  

كل منا يسعى في يومه.. وربما طيلة يومه.. يسعى وبداخله دوافع تدفعه ليعمل ويكد..

نحن نسعى في يومنا ونحن ندور في مربع به أربع خانات كما ذكر “ستيفن كوفي” في كتابه المعروف العادات السبع للنجاح وهي: 

1- مهم عاجل 

2- مهم غير عاجل

3- غير مهم عاجل

4- غير مهم غير عاجل    

 

نتفق أن غالبيتنا ندور في مربعي “مهم عاجل” و”غير مهم عاجل”، ثم نذهب آخر اليوم لنرتاح في “غير مهم غير عاجل” لنشعر بالاسترخاء والحرية..

لا شك أن الأعمال المهمة والملحّة تقوم عليها أولوياتنا في الحياة ولكن هل تكفينا لنشعر بالرضا؟

وأين ذهبت “مهم غير عاجل” وما علاقتها بالرضا؟.. 

“مهم غير عاجل” هي الأعمال التي تبني أعماقنا وتبني أعماق أبنائنا وأعماق العلاقات..

هي التي تبني علاقتنا مع الله وعلاقتنا مع أهمّ الناس..

علاقتنا مع أنفسنا وعلاقتنا مع أبنائنا ومع أزواجنا ومع أهم المقربين..

فكيف أدخل في هذا المربع العميق؟

أدخل مربع “مهم غير عاجل” مثلاً عندما أُمسك بكتاب أقرأه برويّة وأنا أتمعن لأُطبق ما فيه ابتغاء مرضاة الله.. لا لأنال شهادة أكاديمية .. ولا ليقال عني قارئ.. ولا لأثبت لنفسي أنني قارئ نهم.. بل لأرتقي بنفسي ومن حولي ابتغاء مرضاة ربي.. عندها سأشعر بالرضا..

وأدخله أيضاً عندما أجلس مع ابنتي وأفتح معها حوارا لطيفا بين صديقتين وأشاركها اهتماماتها.. وأنا أستشعر مسؤوليتي وأستمتع بها.. حتما سأشعر بالرضا..  

وعندما أجلس فأقرأ مع طفلي الصغير قصة نستمتع بها معاً ونبني علاقة إيجابية وأنا أغرس فيه حب العلم والتعلم..  أفعل ذلك ابتغاء مرضاة ربي.. دون أن أحدث به الناس.. حتماً سأشعر بالرضا..

وكذلك عندما أجلس فأرتّل الآيات بحب وأنا أستشعر عظمةَ ما بين يديّ من كتاب.. وأشعر بإكرام الله لي أن أذن لي بتلاوة كلامه والاستماع له من بين مليارات المحرومين.. حتماً سأشعر بالرضا..

وعندما أدخل السرور على من حولي دون أن أطالبهم بالتعويض.. عندما أهتم بهم وأعطيهم لله.. ابتغاء مرضاة الله دون انتظار المقابل.. حتماً سأشعر بالرضا..

وعندما أصلي في جوف الليل.. وعندما أتصدق.. وعندما أفرّج كربة.. وعندما أساعد.. وعندما أكتم غضبي.. وعندما أسامح.. وعندما أبر.. وعندما أرحم..

كثيرة هي الأعمال التي تشعرنا بالرضا.. وهي أعمالٌ صغيرةٌ غالباً لكن بالالتفات فيها إلى الله وحده تصبح عميقةً وعظيمةً تُثمر على المدى ارتقاءً وثقةً ونورا وسعادةً لأنها تحرر الإنسان من عبودية الظهور.. وتحرره من ال “أنا”..

الأعمال العاجلة التي وردت في المربعين السابقين تتعلق عادة بالشيء الملاحَظ سريعاً من الناس.. عندما ننويها لله حتماً سنشعر بالرضا..

ولكن لن نذوق طعم هذا الرضا ما لم نتجرد ونزهد ونخلص في أعمال غير ملاحظة لأحد إلا الله لنتحرر من التمحور حول نظر الناس والتنافس في ذلك..

ويستطيع الإنسان أن يتحرر فعلاً عندما ينوي ذلك ويبدأ في كتم أعماله الصالحة والتوسع فيها.. عندها ستبدأ مشاعر الانشراح والرضا بالتمدد في أعماقه.. لتحرر أغلال: أنا مهم وأنا الأفضل وأنا الأذكى وأنا الأجمل.. 

إن كثيراً من مشاعر عدم الرضا التي تنتابنا تتعلق بأن أعمالنا مشروطة في العقل اللاواعي بتحصيل نظر الناس وإعجابهم حتى لو لم نطلب الإعجاب مباشرة ولكننا في أعماقنا نعلم أنها الأعمال التي سنمدح من أجلها.. وهي تجذبنا إلى مربعي “مهم عاجل” و”غير مهم عاجل”.. وهي أيضاً قد تجذبنا للمقارنات السلبية وإلى التنافسية المَرَضيّة التي تؤدي إلى السخط وتودي بمشاعر الرضا..

كم منا يريد الإعجاب السريع الذي قد يجره إلى سخط سريع لأن رضا الناس غاية لا تدرك..

والمشكلة أن مواقع التواصل قد زادت المسألة سوءً.. فأصبحنا ننتظر التقدير والمديح على أصغر الصغائر.. وكلما زاد التفاتنا للناس كبرت تعاستنا..

وأما أعمال المربع “مهم غير عاجل” فهي غير متعلقة بنظر الناس ولا تخضع لأولويات إعجابهم فتهمل بالرغم من أنها هي التي تبني الرضا والثقة بالنفس والإخلاص لله وتجعلنا نعمل لقناعاتنا لا لقناعات الناس ولكن من يصبر على أعمال يحبها الله لا يلقي الناس لها بالاً؟.. وتهدر وقتاً لا يعلم به ولا يجازي عليه إلا الله؟..

وكما قال أحد الصالحين: “سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فمازلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك”.

يجب أن نصبر بداية لنشرق نهاية بالرضا والسعادة..

كل منا كادح في هذه الحياة.. ولكن شتّان بين كادحٍ زاهدٍ في الناس وفيما أيدي الناس.. راضٍ عن ربه وعن مسار حياته.. وبين كادحٍ تعيسٍ.. يتخبط حيث نظر الناس.. ولا يعلم حقيقة ما يرضيه..

فلنعِ دوافعنا.. لتُشرِقَ سَرائرنا..

“يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ” الإنشقاق/6

شاركونا أفكاركم.. “لماذا لا يشعر الإنسان بالرضا؟”


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 

(5) تعليقات



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!