كيف نربي إنساناً بعقلية نامية في زمن العقليات الثابتة؟ 

في هذا المقال سنكمل ما تحدثنا عنه في المقال السابق، فإذا لم تقرأ المقال السابق فنرجو قراءته، لتتمكن من فهم الفرق بين العقلية الثابتة والعقلية النامية.

لا شك في أن الإخلاص لله مهم في تربية العقلية النامية، ولكن الإخلاص وحده لا يكفي، فكثير من الآباء المخلصين لله لم ينجحوا في تربية عقليات نامية لأبنائهم، والإخلاص الذي نعنيه هنا أن يرى الطفل أبويه قدوة أمامه في تمحور حياتهم حول مرضاة الله وليس حول مرضاة الناس.
هناك مرتكز آخر مهم في تربية العقلية النامية وهو “الحرية النفسية”.
وهي الحرية التي تتعلق بحرية الاختيار وحرية القرار.

هذه الحرية لا تنمو إلا في بيئة يقوم قرار الأسرة فيها على الشورى وعلى الحوار، ويتجنب الأبوان فيها التسلط وفرض القرار، وإن كان لزاماً، فيبرر الوالدان ذلك بحب ورفق.
إن “متعة التعلم” التي تحرك دافعية العقلية النامية إنما هي مشاعر إيجابية نمت ولم تأت وليدة اللحظة.
هي مشاعر انطلقت لتنمو في بيئة يُسمح للأبناء فيها بحرية الاختيار، يتحسس الولد فيها ميوله ويطلق لها العنان، فتنمو متعته الداخلية بمزاولة ما يحب وما يتقن، وليس ما يريده الوالدان أو يثني عليه الناس.

يقف الأبوان مشجعين داعمين لما يختار الولد، بغض النظر عما يعجب الناس أو لا يعجبهم، فإن الواقع يشدنا وأبناءنا لدائرة التفكير التقليدي وليس لدائرة الإبداع والتعلم بمتعة، والسبب في ذلك يرجع إلى أن دائرة الإبداع والتعلم بمتعة لا تظهر آثارها بسرعة مثل آثار التربية التقليدية التي ترتكز إلى الكم والعلامات.
كما أن إبداع الطفل سيكون بسيطاً في بدايته لا يُجلِب الثناء.
ولكن بناء دينامو “العقلية النامية” ليس بالأمر البسيط على الاطلاق، والفارق عندما يكبر سيكون عظيماً، سواء على مستوى جمال الشخصية أو على مستوى الإنتاج والإبداع.

إن البيئة التي تتحكم بسلوك الأبناء والتي يكثر فيها الممنوع عن المسموح – بحجة الخوف عليهم – هي بيئة لن تولّد إلا عقليات ثابتة، وإني أرى في زماننا هذا أن علينا فتح المجال لكل ما هو “ليس بحرام” أمام أبنائنا حتى لو لم نألفه، بل وعلينا مشاركتهم والتمتع معهم.
إن ذلك سيجعل أبناءنا يشعرون بأن الدين يُسر يحفظ طاقاتنا من الأذى، وليس الدين للتعقيد أو القمع، كما يشعر كثير من أبناء هذا الجيل مع الأسف، بسبب بعد الوالدين المتدينين عن الواقع الذي يعيشه هذا الجيل، وعدم تصور مساحة الحرية التي يراها أبناؤنا من خلال الإعلام عند غير المسلمين، في الوقت الذي يشعر أكثرهم بقمع حرية قرارهم وحرية اختيارهم وحصرهم في قالب أبويهم، فتنشأ لديهم الحاجة للتحرر والتفلت من كل ما ينادي به الوالدان، بما فيه أوامر الله مع الأسف. لأنه حقيقةً لم يميز بين حاجته للحرية النفسية التي تشعره بوجوده وباستقلاليته وتطلق كوامن إبداعه، وبين خطر التحرر من طاعة الله وكثير من الصلاح الذي يدعوه له والداه.
ويزيد هذا الأمر سوءً عندما تكثر الأوامر ويقل بناء الإيمان والتعلق بالله وعبادته عن قناعة وحب، والذي لا ينجح على العمق المطلوب إلا إذا تربى الأبناء على عبادة التفكر، التي يتفق العلماء أنها العمود الفقري لبناء الإيمان.

إن تربية العقلية النامية يحتاج إلى الحرية النفسية وبناء الإيمان بحب، وهما مرتكزان مع الأسف شبه غائبين، ثم نتساءل: لم نحن في هذا التخلف الحضاري؟؟
فلنبدأ خطوات التغيير مع أنفسنا، ومع أبنائنا، فيغير الله أحوالنا لغد أفضل.
انتبه إلى نفسك خلال هذا الأسبوع كم مرة فرضت القرار على أبنائك، وكم مرة حاورتهم، وكم مرة شاورتهم وأخذت برأيهم؟ كم مرة قلت لهم نعم يمكنك ذلك، وكم مرة قلت لهم: لا!!

فلنرتقِ.


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!