كيف تنمي العبادة الحدس والإبداع؟

هل فكرت يوماً ما بفكرة إبداعية طرأت في عقلك لا تدري من أين جاءتك؟

هل أحسست يوماً بأن شيئاً ما سيحدث؟ ثم حدث فعلاً؟

هل أقدمت على عمل ما، ووجدت بأن قوة خفية تخيفك من هذا العمل؟ واستنتجت فيما بعد أن له نتائج سلبية؟ 

ما هو الحدس؟

الحدس هو أفكار وخواطر سريعة تخطر على بالنا باتجاه شخص أو حدث دون أن تعرف بالضبط سببها، وليست ناتجة عن عملية تفكير منطقية متسلسلة، وبمعنى آخر: «أن تعرف شيئًا دون أن تعرف كيف عرفته!»، وهذا ما نستطيع تسميته بالحدس أو ما يحلو للبعض اعتباره (الحاسة السادسة)، الحدس هو عملية تفكير لا واعية تنتج عن تفاعلنا مع حدث معين أو شخص معين أو عند اتخاذ قرارات أخلاقية أو مبدئية أو اتخاذ مواقف معينة. قد يأتي الحدس على شكل إحساس، أو فكرة، أو خاطرة، أو صورة ذهنية، أو أعراض جسدية خفيفة (غصة، أو انقباض في المعدة، أو غير ذلك). والواقع أن الحدس أمر نلجأ إليه بشكل يومي ومتكرر دون أن نعي ذلك بشكل واضح.

أما باهم فيقول: إننا بالحدس نكتشف ونبدع، إذ اعتبر الحدس عملية ذهنية محرشة لعمليات التفكير الأخرى مثل التفكير الإبداعي

يعرف جيلفورد الحدس بأنه الرجوع إلى المعلومات بطريقة مختلفة عن طريق دخولها، بحيث تعبر عن درجة عالية من الحداثة والإبداع.  

تذكر د. انتصار عشا أن الحدس هو عملية ذهنية، ومعرفة سريعة، يمكن أن توصل إلى ممارسة التفكير الإبداعي وإلى حل المشكلات دون استخدام طرق التفكير المنطقي المعروفة، ويقود إلى فروض سريعة دون المرور بخطوات ومراحل. وهو معالجة سريعة للمدخلات يؤدي إلى ظهور مخرجات مفاجئة تتصف بالأصالة والإبداع، ويكون الشخص فيها متمركزاً حول ذاته.

 يقول الإمام الغزالي رحمه الله عن الحدس: “هو نور يقذفه الله في القلب فتصفو النفس ويدق الحس ويرق القلب وتنقشع الغمامة وحينئذ يحدث الإشراق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا فراسة المؤمن فإنه يبصر بنور الله (رواه الترمذي).

 الحدس هو أن ترى الموقف وهو غائب عنك، والبصيرة هو أن ترى ما وراء الموقف.

الحدس هو:

  • مرآة جديدة نظيفة
  • إلهام
  • السرعة في السير الذهني
  • برق
  • حركة ذهنية مفاجئة

مكونات الحدس كما يراها تايلر:

1. المباشرة.    

2. إدراك العلاقات.  

3. الاستدلال.

الإيمان بالغيب هو تفكير حدسي، لولا الحدس لعشنا بصورة أحادية نراها ونحسها ولا نقر إلا بالحس والواقع.

الحدس الجمالي هو الحدس الذي ينسى فيه الإنسان نفسه في لحظة معينة من الزمان فلا يدرك إلا حقيقة الشيء الذي يتأمله. (خليفة، 1987)

العظماء حدسيون

  • قول ألكسي كاريلAlexis Carrel: (جميع الرجال العظماء لديهم هبة الحدس، انهم يعرفون دون برهان أو تحليل ما هم بحاجة إلى معرفته)
  • وكذلك العالم المسلم (ابن سينا). فحينما كانت تعضل عليه مشكلة يتوضأ ويصلي وينام ويرى الحل في الغفوة فيستيقظ ليدونه.
  • لا يوجد اكتشاف عظيم تمَّ من دون حدس جريء – اسحاق نيوتن

الخصائص العامة للتفكير الحدسي

استخلص عبد الله وأبو راسين أن الحدس يتصف بالخصائص العامة التالية (عبد الله وأبو راسين 2005):

السرعة والآنية والظهور المفاجئ، يتضمن حالة انفعالية، عملية تصور سابق في مستوى ما قبل الشعور، إنه عكس الاستنتاج، والتفكير التحليلي والمنطقي، هو عملية تتأثر بالخبرة والتجربة الذاتية، يمكن فهمه عن طريق المشاعر والانفعالات، وليس عن طريق اللمس، يرتبط بالإبداع، يرتبط بالتمركز حول الذات، ليس بالضرورة أن تكون نتائجه صحيحة، يستخدم الموثوقية والتأكد الذاتي، مرتبط بالتعاطف الوجداني والتفاهم والمشاركة الانفعالية، هو قدرة ومعرفة فطرية وغريزية، هو معرفة عامة وكلية، هو معرفة غير مكتملة، يرتبط بالشرود الذهني، هو إحساس بوجود العلاقات ومعرفتها، يعتمد على البيئة، يتصف بتغيير الوضع والتنقل.

مهارات المفكر الحدسي

الذاكرة والخبرة والمشاعر والخيال والتفكير كوحدة واحدة (التفكير الكلي).

مكان الحدس

ومنذ عهد الإغريق حتى يومنا هذا والأبحاث في تصاعد حول آلية الحاسة السادسة او ما يسمى بالحدس والفراسة. حيث ثبت علميا منذ عقود ان الغدة الصنوبرية Pineal Gland , والتي تسمى ( العين الثالثة ، أو العين الفيزيائية ، أو عين الجسد ). وهي آخر غدة تكتشف من الغدد الصماء الموجودة في وسط الدماغ، ويبلغ حجمها (5 مم- 8 مم) . إنها أصغر من حبة الصنوبر. ومن وظائفها أنها تربط بين العالم المادي الفيزيائي والعالم الروحاني كالتخاطر، وعلو الإحساس والاستشعار، والتأمل والحدس، والتنبؤ الذي يستطيع اختراق ما وراء الأبعاد الثلاثة. ذلك لامتلاكها قدرات فيزيائية ومغناطيسية ونفسية وروحانية عالية، حينما تتجمع وتنشط معا تشكل قوة خارقة للطبيعة، وتتنشط عندما توصلها بطاقة السجود أو التأمل، آينشتين كان يتأمل كثيراً، وكذلك العلماء المسلمون الأوائل، كانوا يصلون كثيراً ويتأملون، الذين قامت عليهم حضارة عظيمة.

ربما كنت محظوظاً بنوع من الحدس، لكني أؤمن أن التدريب أمرٌ غاية في الأهمية.

-ديفيد سيلبي

الحدس والخيال

يعتمد الحدس على الخيال حيث أن العمل الإبداعي عبارة عن خطة تبدأ مع ومضة الحدس وامتداد الخيال والاستغراق في التفكير و الرجوع إلى الداخل (agnuinis,1992)

الحدس خبرة تتم من خلال متغيرات بسيطة وسيطية هي: التخيل والتصور وأحلام اليقظة والمشاعر والإحساس بالجسم وصورته وكذلك التفكير. (عبد الله وأبو راسين،2005).

علاقة الحدس بالإبداع

يعد الحدس الخطوة الأولى في الإبداع، ويمثل إحدى القدرات المعرفية لدى الإنسان، ولا نبالغ إذا قلنا أن الحدس هو المسئول الرئيسي عن الإبداع. فقد قال الرياضي المبدع هنري بوانكريه (Henri Poincaré-1912-1854): “ أنه بالمنطق يمكننا أن نثبت ونبرهن، وبالحدس فإننا نكتشف ونبدع.

كيف نستدعي الحدس؟

والحدس كما تقول روبنسون: قابلية ذهنية طبيعية يمتلكها الجميع ولكن البعض يمتلكها جلياً بقدر أكبر من البعض الآخر. وكما هو حال أية قابلية أو مهارة، فإن قابلية الحدس يمكن شحذها وتنميتها وجعلها أكثر اعتمادية بواسطة التدريب والممارسة. مشيرة إلى أن البحوث أظهرت أن الحدس يتواجد في جانب الدماغ الأيمن أكثر من الجانب الأيسر، وأن حصة اللاشعور فيه أكثر من حصة الشعور، فضلاً عن ارتباطه بحالات فسيولوجية تتسم بموجات كهربية دماغية ذات تردد منخفض (تردد ألفا)، وهو تردد يترافق طبيعياً مع حالة الاسترخاء.  

لذا فإن أفضل وقت لطلب العون الحدسي في اتخاذ القرار هو وقت النوم، إذ إن تردد ألفا يحدث طبيعياً عند بداية الإغفاء وبداية الصحو من النوم، أي في الحالتين التي نكون فيهما مسترخين ولكننا في نفس الوقت واعين. لذا يمكن أن نبقى متمددين وهادئين وفي أثناء ترددات ألفا الطبيعية وقبل الدخول في النوم نشرح لذهننا اللاشعوري ما الذي نعرفه عن حالة أو مسألة وما طبيعة العون الذي نحتاجه ومتى نحتاجه. بعبارة أخرى نكلف اللاشعور بمهمة محددة ونخلد إلى النوم، مانحين اللاشعور حرية استكشاف جميع موارده السلالية الغنية، وعندما يحل موعد بداية الاستيقاظ، يكون بمقدور اللاشعور تقديم ما توصل إليه إلى الشعور أو الذهن الواعي.

كيف ننمي قدراتنا الحدسية؟

حتى تشرق ملكاتنا الحدسية علينا أن نكون ببراءة الأطفال، علينا أن نقوي الفطرة بداخلنا، ونتخلص من المشاعر السلبية من غل وحسد وكيد وأنانية وتشاؤم ونشرق بالحب والتقدير والعطاء.

تعتمد عملية الحدس على التفاعل بين الغدة الصنوبرية ومنطقة الأمجيدالا في الدماغ (اللوزة)، وليحدث التفاعل بينهما يجب أن تكون المشاعر التي تمر بالأميجدالا مشاعر إيجابية خالية من التوتر الذي قد يحدث بداخلنا نتيجة الخوف أو القلق، أو الغيرة أو الحسد، أو الحقد أو التعصب، أو الأنانية أو الكيد، أو التشاؤم أو غيره من المشاعر السلبية التي تسلب الإنسان من نقائه وإيجابيته، وتعيق نجاح العملية الحدسية.

وحتى نقوي الحدس، علينا أن ندرب أنفسنا بداية على الهدوء والسكينة، لتصبح ذبذبات الاسترخاء لدينا عادة، فالعملية الحدسية تحدث عند ذبذبات الدماغ “ألفا” وهي ذبذبات الاسترخاء كما أسلفنا، ومن ثم علينا أن نقوي المشاعر الإيجابية النقية.

ما علاقة العبادة بتقوية القدرات الحدسية؟

لعبادة الله تأثيراً كبيراً على توليد المشاعر الإيجابية التي تحتاجها العملية الحدسية في الدماغ، حيث تقوم حياة المؤمن على القيام بالأعمال الصالحة خلال فترة حياته، لينال مرضاة الله في الدنيا والآخرة.

إن الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن تؤول إلى نوعين:

1. النوع الأول يتعلق بالآخرين، ويستند إلى العطاء مثل البذل والخدمة وحسن الخلق وغيره من أعمال تتعلق بالبذل للآخر.

2. النوع الثاني يتعلق بنفسه، ويرتكز إلى التأمل من خلال التفكر وتدبر القرآن والتأمل في الصلاة وفي الذكر.

 عندما يقوم الإنسان بالنوع الأول وهو العمل المعطاء الذي يهدف من خلاله إلى نيل مرضاة ربه من خلال اسعاد الآخرين، يقوم الدماغ – برحمة من الله – بفرز الهرمونات الإيجابية لدى الشخص المعطاء مثل الدوبامين والسيراتونين، تعمل هذه الهرمونات الإيجابية على تنقية المشاعر السلبية التي نمر بها نحن البشر من أنانية، ولؤم، وكيد، وحقد، وتشاؤم، وخوف أو قلق، وعندما نقول “تنقية” فإننا نعني بعملية تنقية تحدث فعلاً تسيطر فيها هرمونات المشاعر الإيجابية على هرمونات المشاعر السلبية وتغلبها في الدماغ، في حال الاستمرار بالقيام بهذه الأعمال، وتأمل معي قول الله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} التوبة /103

وقد يتساءل أحدنا: ولكن هناك من الناس من لا يحتاج لعملية تنقية، فهو نقي بالفطرة. ونجيب: نعم صحيح، وهذا الإنسان من الطبيعي أن يكون حدسي – ما لم يكن سلبياً بينه وبين نفسه، ولذا نجد أيضاً بأن الأطفال حدسيون بالفطرة بسبب نقائهم.

كيف يقوي “ذكر الله” العملية الحدسية؟

عندما يقوم المؤمن بالنوع الثاني وهو “العبادة التي يمارسها متأملاً مع نفسه”، وتعتمد على السجود والتأمل من ذكر وقراءة قرآن بتدبر وتأمل في الصلاة، إضافة إلى الصيام الذي يعد محطة عظيمة للتنقية من نوع خاص.

تنشط الغدة الصنوبرية المسؤولة عن الحدس من خلال السجود كما أسلفنا، وتنشط العملية التفاعلية التي تحدث بين الغدة الصنوبرية واللوزة من خلال التأمل.

عندما نذكر الله ونحن نتأمل معاني الذكر التي تمر على القلب من تقدير إحسان الله وعظمته وقدرته وعزته وعلوه، تفرز عملية التأمل مشاعر إيجابية عميقة في الدماغ، تخلصه من المشاعر السلبية، وهذا أمر في غاية التعقيد، فإن الإنسان إذا تأمل تفرز لديه مشاعر إيجابية، ولكن إذا تأمل ذاكراً خاشعاً لله تفرز هرمونات إيجابية عميقة جداً في دماغه، وهذا إعجاز، يرتبط بالروح التي لها علاقة مباشرة ببارئها، الذي نفخ فيها من روحه، سبحانه لا إله إلا هو.

وكلما تكررت عملية الذكر بحضور قلب سواء كانت في الصلاة أو في قراءة القرآن أو في التسابيح والتهاليل التي نقوم بها، تعمقت المشاعر الإيجابية أكثر، حتى يصل المؤمن لمرحلة متقدمة من النقاء، يمتلك فيها البصيرة والفراسة والحكمة والنور والولاية.

وقد دل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه”. رواه البخاري.

إن هذه الهبة العظيمة من الله سبحانه، يهديها لمن أقبل عليه بالعمل والعبادة، لتصل بالإنسان إلى مرحلة عميقة في الدماغ تدعى مرحلة الازدهار flourishing  وهو مصطلح يندرج من علم النفس الإيجابي positive psychology، ومرحلة الازدهار هذه هي المرحلة التي يصل بها الإنسان إلى الرضا والسعادة، تسيطر فيها المشاعر الإيجابية، وتكون هي الغالبة، يحققها المؤمن عندما يسيطر تفاؤله وثقته بالله على خوفه وحزنه وقلقه وهي المرحلة التي أخبرنا الله تعالى بها

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إن طريق الإيمان هو طريق الرضا والسعادة، والإلهام والإبداع، والعمل والعطاء. فيه يحقق الإنسان الغاية من وجوده، وهي عبادة الله والخلافة في الأرض، فتشرق نفسه بعبادته، وتزدهر البشرية بالأعمال الإبداعية المعطاءة، التي تبني حضارة رحيمة تحب الله وتتوجه إليه في كل سكنة من سكنات حياتها.


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 

 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!