كيف تنجح في علاقتك الزوجية وتشعل الحب وفق أبحاث الدماغ؟

إن وجود علاقات ناجحة في حياتنا سواء على مستوى العائلة أو الزواج أو الأصدقاء هي حاجة نفسية لكل إنسان ينبض في هذه الحياة تمده بالسعادة والتوازن والإيجابية.

وإن تعثر العلاقات الهامة في حياتنا قد يؤدي إلى انتكاسنا بشكل ما، فما هو السر في نجاح أي علاقة؟ وكيف يمكن أن نرتب أولويات العمل وفقها لكسب علاقات تمنحنا سعادة وإشراقاً.

قد ننجذب لكثير من البشر من حولنا لكن لن تستمر العلاقة وتثمر دعماً ومساندة وسعادة ما لم تترسخ روابطها الإيجابية في أعماق الدماغ، ولكي نفهم ذلك السر علينا أن نفهم كيف يحدث ذلك في الدماغ.

تقوم أي علاقة بين شخصين على أسس التعامل بينهما، فعندما يكون التعامل قائماً على الرحمة والعطاء والتقدير والتفهم والاحترام ستتولد مشاعر إيجابية مع تشابكات الخلايا العصبية المرتبطة بصورة هذا الشخص في دماغنا، مما يؤدي إلى التعلق به مع الوقت نتيجة الهرمونات الإيجابية التي تم فرزها في أعماق الدماغ والتي ارتبطت بهذا الشخص وترسخت من خلال السلوك، فنظرة رحمة وابتسامة حانية وقبلة فوق الرأس وإيماء عطف، كل ذلك وغيره يؤدي إلى اشعال الروابط الإيجابية لتصبح العلاقة الزوجية هي كما أرادها الله علاقة مودة ورحمة. ولن يسكن الشريك إلى شريكه ما لم تكن روابط الدماغ المتعلقة به مشحونة بالسكينة والرحمة والمودة كما أخبرنا الله سبحانه:

“وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الروم/21)

مدمرات العلاقة: لماذا يموت الحب ولماذا تتعثر العلاقات؟

تتعثر العلاقات بسبب هدم الروابط الإيجابية في الدماغ وإقامة روابط سلبية مكانها، وكلما سار أحد الشريكين في هذا الاتجاه ستنهدم العلاقة في النهاية بسبب أن الروابط السلبية تؤدي إلى النفور، ويُترجَم النفور على شكل لا مبالاة أو ضعف الحب أو موته، أو تجنب التواجد في البيت، أو تجنب الحديث، أو تجنب العلاقة الجسدية، أو غيرها كنتيجة حتمية للنفور.

ونحن نتحدث هنا عن أسباب النفور التقليدية التي قد تحدث مع الأزواج الحريصين على إنجاح أسرتهم، ولا نتكلم عن المدمرات السريعة مثل الخيانة أو الإهانة أو الخمر أو غيرها..

ما الذي يسبب الارتباطات السلبية؟

ثلاثة أسباب رئيسية للارتباطات السلبية بين الأزواج:

1- الأنانية:

وهي التركيز على مصالح الذات دون التفات حقيقي إلى حاجات الشريك، والتي تجعل الإنسان لئيماً يفكر أنه لو قدّم شيئاً قليلاً لشريكه يجب أن يحصل مقابله على الكثير، وقد يمنّ بعطائه القليل، فيكون شحيح الرحمة والعطاء مما يرسخ تشابكات سلبية منفّرة في أعماق الدماغ تؤدي إلى الإضرار بالعلاقة.

2- الاستعاضة بالانفجارات الكلامية والنكدية عن الحوار الهادئ:

عندما يحمل الشريك على شريكه ويلجأ إلى الانفجارات الكلامية أو إلى النكد أو اللوم والنقد ظناً أنه سيحصل بهذا الأسلوب على ما يريد، فإنه على العكس يشحن دماغ شريكه بروابط مشحونة بضغط عالٍ تؤدي إلى هدم كثير من الروابط الإيجابية السابقة بسبب شحنات الانفجار العالية، وترسخ المزيد من مشاعر النفور في أعماق التشابكات العصبية.

3- التوقعات العالية:

وهي أن نتوقع من الشريك أن يقوم وحده بأمور معينة دون أن نخبره بما نتوقعه، فنلجأ للانفجارات الهادمة للعلاقة للمطالبة، وقد تكون توقعاتنا مهمة لنجاح الاسرة، وفي حال ذلك يجب أن نوصل رسالتنا له من خلال الحوار والرفق، وقد تكون نابعة من الأنانية والبعد عن الواقعية ويحدث هذا كلما تدنى تقدير الذات للشريك، حيث ترتفع الأنانية مع تدني تقدير الذات فيصبح شديد اللوم والمعاتبة والمطالبة لسد الإحساس بالنقص من خلال الأخذ والكسب من الآخر وأنّى له ذلك؟.. هو كمن يشرب من ماء البحر فيزداد عطشاً إلى عطشه، فتقدير الذات ينمو بالعطاء والاستقلالية وليس بالمطالبة والمعاتبة.  

كيف نقيم علاقة ناجحة راسخة في عمق الدماغ وكيف نوقد الحب؟

إن إنجاح العلاقة يحتاج العمل من الطرفين، لذا فالمسؤولية في ذلك تقع على الشريكين، ويقوم النجاح على إشعال المشاعر الإيجابية في ارتباطات الخلايا العصبية في الدماغ المسؤولة عن العلاقة، وهذا الأمر لا يحدث بيوم ولا ينهدم بيوم كذلك.

 

1- الإيماءات الصامتة:

لو أنك قمت بتصوير نفسك في فيديو وأنت تتحرك وتجلس في بيتك.. ترى كيف ستبدو؟

نعبر بإيماءاتنا أكثر من كلماتنا فهي تشكل أغلب يومنا وهي تتشابك تأثيراتها بعمق لدى الشريك لأنها السلوك الغالب.

كثير منا لا ينتبه أنه لا يبث أي روح للإيجابية أثناء جلوسه في البيت بل قد يكون على العكس، وتبث الإيجابية من خلال التفكير الإيجابي الذي يبث إشعاعات الطاقة الإيجابية والتي ستترجم من خلال الابتسامة والرضا والسلام الداخلي، فعندما يتحرك الشريك في البيت وهو يشع بالإيجابية والسلام بإيماءاته وكلامه سيسكن إليه شريكه (لتسكنوا إليها) وأبناؤه كذلك والعكس صحيح.

كيف نمتلك الإيماءات الإيجابية؟

نصبح إيجابيين من خلال مراقبة التفكير وتحويله من سلبي إلى إيجابي ومصاحبة الإيجابيين، وامتلاك أهداف إيجابية، إضافة إلى الإقبال على الحمد والذكر مع حضور قلب حيث يعالج بعمق الهرمونات التي تبث التوتر في الدماغ.

2- الاستقلالية: وهي تتعلق بإيجاد أهداف خاصة ينشغل بها الشريك عن شريكه، فكلما دار الشريك في فلك شريكه ينطرد بتأثير القوى الدافعة الطبيعية خارج الدائرة وإلا سيفقد الشريك الآخر توازنه، لذا فإن تمحور أهداف الشريك الأساسية حول وجود شريكه الآخر يؤدي إلى نفور الشريك، ويجب أن يكون لكل شريك أهدافه الحيوية والبناءة الخاصة به وهذا الأمر تبرز أهميته عندما يكبر الأبناء أو يصل أحد الزوجين إلى سن التقاعد.

3- تقدير القليل: إن تقدير الأعمال الصغيرة التي يقوم بها الشريك هو أساس مهم جداً في إنجاح العلاقة، لأن الأعمال الصغيرة هي التي تشكل لوحة الحياة اليومية لدينا، فعندما نلتفت إلى هذه الأعمال ونتدرب على تقديرها وشكرها من خلال ابتسامة الرضا والنظر على وجه المسرّة فإن كل نظرة تشعل الحب، أو من خلال هدية بسيطة تعبر عن التقدير. ويظن بعض الناس أن التقدير سيجعل الشريك يتكبر على شريكه، هذا صحيح فقط في حال كان الشريك لئيماً أما إن كان كريماً فسيرد التقدير أضعافاً مضاعفة، فيشتعل الحب وتنتشر الرحمة.

4- الرحمة: وهي أساس العلاقة، فعلاقة لا تقوم على الرحمة والعطف خاصة في المواقف الصعبة التي يمر بها الشريك، تجعل الشريك الآخر يبحث عن بديل يستمد منه حاجته للرحمة وقد يكون أحد الوالدين أو الإخوة أو الأبناء أو صديق أو حتى شريك آخر، ويجب أن يتجنب الشريك التعليق الساخر أو التهكم عند معاناة الآخر لأن ذلك سيولد الكره والنفور السريع ويصعب تداركه وإصلاحه لأنه عميق التأثير في الدماغ.

5- التجرد: يرتبط التجرد بالإيمان، وهو يعني أن يقدم الشريك العطف والمودة لشريكه طلباً لمرضاة الله وتعبداً بالرحمة التي أمر الله تعالى بها، وليس لأنه ينتظر المقابل في كل خطوة، والتجرد يوصل الإنسان إلى منزلة أخلاقية عالية في الجنة ويعالج التوقعات العالية التي تسبب الانفجارات، وكلما اقترب الإنسان من ربه يتجرد في علاقاته، وكلما انشغل بأهداف كبيرة كذلك يتجرد عن صغائر الأمور.

6- الاعتذار الحقيقي: وهو النابع من شعور حقيقي بالأسف والندم وليست مجرد كلمة تقال، ويعتقد بعض الأزواج أن الاعتذار يثبت خطأه ويجعله يبدو أحمقاً ويذل كبرياءه، بل على العكس، الاعتذار يرفع أخلاق الشريك، ويؤدي إلى إزالة الروابط السلبية التي تكونت عند شريكه، فينعش العلاقة من جديد، خاصة عندما يكون الاعتذار صادقاً وحانياُ.

7- العلاقة الجسدية: هذه العلاقة هي حصاد ما سبق كروابط معنوية تشعل الحب بين الشريكين تؤدي إلى الرغبة في الاقتراب، وهي تحتاج إلى روابط خاصة إضافية تتعلق بالتحبب الجسدي ويكون ذلك من خلال الغزل عبر الكلام المباشر أو عبر رسائل الجوال، أو عبر النظرات التي تفيض بتعبيرات الانجذاب الجسدي وبراعة التمهيد وغيره مما يعمل على إثارة دوافع الاقتراب الجسدي. ويجب تقدير مبادرات الشريك في هذا الشأن وعدم لومها ونقدها لأن ذلك من شأنه هدم الروابط الإيجابية التي بنيت سابقاً، وفي حال تقصير الشريك يجب التعبير من خلال التحبب والحوار المباشر وغير المباشر وتجنب الانفجارات والنكد التي تؤدي إلى النفور والهدم.

كل ما سبق الحديث عنه في إنجاح العلاقة هو أمر يحتاج إلى فن.. لتعلم متى تقبل ومتى تستقل.. متى تتودد.. ومتى تدور في فلك أهدافك.. كما هو  يرتبط بتحسين أخلاقنا، والتي لها أعلى تأثير على بيتنا وعلى حياتنا.

لذا فإن أعلى عناية بتصرفاتنا يجب أن نوليها لأزواجنا وأبنائنا وأهلينا لأنها ستؤثر بشكل كبير على سعادتنا وموازين حسناتنا وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. رواه الترمذي.


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 

(12) تعليق


  • ابتهال

    نفع الله بك …والله العظيم في صميم الواقع و كل كلمة قلتها هي في مكانها


  • جزاك الله خيرا دكتورتنا الفاضلة كفيتي و و فيتيبارك الله فيك


  • نفع الله بك استاذه مها ..وبارك الله في علمك ..وفقكم الله


  • علياء

    ما شاء الله
    ربنا اعطاك قدرة على ترجمة المشاعر والمطلوب وتبيين النتائج
    كلام في قمة الروعة والصدق
    جزاك الله خيرا


  • كلام يلامس القلوب ويشغل الهمة في البدء في التغير وكيف لا يبدأ التغير وهذا المقال من قلب مخلص لله… جزاك الله خيرا أستاذة مها


  • شكرا جزيلا على الفكرة والطرح والمعالجة.
    ما أحوجنا الالتفات إلى هذه المعاني وتحويلها إلى سلوكات.


  • جميل جدا بارك الله في جهود الاستاذة ونفع بها الإنسانيه
    الحب الصادق من الإيمان


  • ام عبدالله

    ماشاء الله تبارك الرحمن
    جزاك الله خيرا.
    هنا تبدأ الانطلاقة لبناء المجتمع


  • إيمان

    كما ميزنا الله سبحانه وتعالى بالعقل
    كا جاء المقال في غاية الرقي في الأسلوب والعرض
    فالشكر لله أن دعانا لقراءة مابثثت به من روائع
    والشكر لك على تميزك


  • تحقيق عميق ومفيد ومبسط كل من يقراه يحس بانه هو المقصود جزاك الله خيرا


  • خولة التميمي

    بارك الله فيك
    مقالة جميلة ومفيدة ، تفوح بالإيجابية والمودة والسكينة
    تماما كروحك الجميلة 💕


  • مها

    ماشاء الله تحليل رائع، جزاك الله خيرا



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!