كيف تجعل لنفسك قيمة وفق علم النفس الإيجابي؟

سواء وعينا أم لم نعِ.. كلٌّ منا يريد أن يشعر أن له قيمة في هذه الحياة.. 

لكن هل يمكن أن تسعى لتشعر بقيمتك ثم تزداد إحساساً بالنقص؟

وما هو الطريق الأسرع لإشباع حاجتنا هذه للإحساس بالقيمة وفق علم النفس الإيجابي وأبحاث الدماغ؟  

كلٌّ منا بداخله حاجة أن يشعر بأهميته.. ببصمته.. بوجوده وبقيمته في هذه الحياة..

هناك صورة أو صور في العقل اللاواعي نستمد منها هذه القيمة، ثم نربط شعورنا بالرضا بتحقيق هذه القيمة، فإن لم نحقق هذه الصورة التي نستمد منها قيمتنا شعرنا بالتعاسة.

فهل يمكن أن نعيش في أوهام لا نصل منها إلى شيء؟

وهل يمكن أن تكون هذه الصور مجرد خيالات للوصول إلى السخط أو الوصول إلى سراب؟

 كيف يصل الإنسان إلى الرضا؟

وكيف يشعر بسعادةٍ وقيمةٍ حقيقيةٍ لنفسه وفق علم النفس الإيجابي؟

إن مؤسس هذا العلم هو الدكتور مارتن سيلجمان الذي يضع من خلاله أسساً لتحقيق السعادة والرضا الداخلي وهي ثلاثة أسس:

1- أن يعيش الإنسان لغاية عُظمى

2- أن ينغمس في أهدافٍ يتقدم نحوها ويَشعر بالإنجاز

3- أن يستمتع بالعطاء ويتخلص من أنانيته

لو تأملنا أسباب الرضا والسعادة الثلاثة لوجدناها تتطابق مع غايات الوجود التي يدعونا إليها إسلامنا العظيم، وهذا إعجاز علمي يثبت أن هذا الدين حق، وأن الذي شرعه للإنسان هو الذي أوجد هذا الإنسان ويعلم ما يرضيه وما يصلح حاله، ولكن كيف يكون كثير من المسلمين اليوم بهذا السخط ودينهم يدعو إلى تلك الأسس العلمية التي تؤدي إلى الرضا والسعادة والازدهار؟

تأملاتٌ حول الأسباب الثلاثة المؤدية للازدهار:

1- هناك فارق بين ما يدّعيه الإنسان وبين ما يقوم به حقيقة، فإنسان يدّعي أنه يعيش وأمله بالحياة أن يرضى الله عنه، ثم يربط قيمته بالحياة بغير ذلك ستراه في سخط لأن حياته لم تسر معه كما يحلم، أو لأنه ليس الأفضل بين الناس، أو ليس الأغنى، أو ليس الأجمل، أو ليس في منصب اجتماعي رفيع، أو ليس الأكثر تميزاً، أو لأنه لا يعيش في البلد الأفضل، أو مع الزوج الأفضل، والأولاد الأفضل، والبيت الأجمل .. الخ

لا شك أن هذا الإنسان لا يدور همه في إطار غاية الوجود الأولى وهي طلب مرضاة الله، لأنه لو كان همّه الله لكفاه الله ما أهمه، ولشعر ببرد اليقين بحسن ظنه بالله فالله يعلم ما هو الخير له وهو لا يعلم.

إن هرمونات الدماغ التي تفرزها مشاعر الاقتراب من الله سبحانه من خلال الذِكر الواعي من أعمق الهرمونات التي تؤدي إلى ازدهار الدماغ والوصول إلى الرضا وبغيرها سيبقى الإنسان شاعراً بالضياع، فابدأ عباداتك بنية جديدة وهي الاقتراب من الله سبحانه، لا يهم أن تقرأ جزءاً من القرآن الكريم ولكن المهم أن تشعر بالقرب من الله أكثر وأنت تقرأ، ولو قرأت صفحةً بتدبّرٍ وأنت تُنمّي مشاعر محبة الله وخشيته وتعظيمه لكان خيراً من قراءة جزء من القرآن الكريم بدون وعي، وهكذا في سائر الأذكار والنوافل، يجب أن ننوي بعباداتنا نية الاقتراب من الله والهداية ولا نقوم بها فقط لأنها واجبٌ أو لنيل الأجر، حتى تتحرك هرموناتنا بعمق وتتحرك مشاعر الإيمان في قلوبنا، إن مشاعر الإيمان عندما تتحرك في أدمغتنا تفتح قنوات الرضا المغلقة في الدماغ وتبدأ السعادة بالنفاذ إلى مشاعرنا.

2- إن تقدم الإنسان في أهداف واقعية ينغمس بها من أسباب الرضا والسعادة شريطة أن تكون هذه الأهداف لغاية عُظمى وليس ليُقال عنا أننا الأفضل، ولربما كانت هذه النقطة من أضعف النقاط في واقع المسلمين اليوم، حيث أن تفكيرهم يتمحور حول الناس، ولا يعون حقيقة ما يريدون وما يُرضيهم بسبب غياب الحريات النفسية وانتشار التربية التسلّطية التي تفرض على الإنسان أن يعيش ليحقق “برستيج” معين وليس لأنه يعيش لقناعاته الذاتية، وعلاج ذلك أن يبدأ الإنسان بعمل يحب أن يقوم به ويكبر به بالتدريج لأنه يحبه ومقتنع به ولأنه يبتغي من ذلك مرضاة الله فيتمتع به ولا يتحدث به للناس حتى ينمو داخلياً ويزدهر دماغه.

3- إن الحب المشروط الذي يُقَدَّم للإنسان منذ صغره يعلمه الأنانية وشُحّ العطاء، فعندما يشعر الطفل بالرضا من ذويه فقط إذا قام بعمل معين ويُسلب هذا الشعور إذا لم يعمله، ستصله رسالة مفادُها ألا تعطي غيرك لله من دون مقابل، فيُحرم الإنسان شعور لذّةِ العطاء وبالتالي يكبر على المصالح والأنانية الذاتية، ونستطيع أن نعالج أنفسنا من هذا البلاء بالتدرّب على العطاء من دون مقابل والاستمتاع بالعطاء لله مع أهمية كتمان العمل ليزدهر دماغنا.

لو تأملنا هذه الأسباب التي تؤدي إلى ازدهار الدماغ flourishing  وبالتالي إلى الرضا والسعادة وتأملنا الصور التي نعيشها بداخلنا والتي ربطنا الرضا والسعادة بتحقيقها، سنكتشف هل نسيرُ في طريق حقيقي لتحقيق السعادة، أم أننا نلاحق سراباً يرسمه الشيطان ويزينه لنصل إلى السخط وانعدام الشكر كما أخبرنا القرآن عن غاية عمل الشيطان في أدمغتنا “وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ” (الأعراف/17)

هذه الأسباب الثلاثة العميقة في الشعور بالقيمة الذاتية وتحقيق الرضا والسعادة لا تعني أن الإنسان لا يسعد مع أصدقائه أو عائلته أو في ممارسة هواياته أو في السفر والمغامرات وغيرها مما يُسعدنا ويُمتعنا، ولكن تعني أنه بدون إعطاء الأولوية لهذه الأسباب العميقة ستشعر بالضياع والتعاسة كلما خلوت بنفسك لبعدك عنها، وبالتالي فضحكاتك أمام الناس ستكون عبارة عن قناع تتجمّل به ووراءه كذبة كبيرة تعيشها، وتعاسة أكبر تتقدم نحوها كلما كبرت في السن.

قيمة وهميّة للذات: 

عندما يشعر الإنسان بالضياع وضعف القيمة لأنه لا يسير على طريق صحيح يستمد منه قيمة حقيقة لنفسه تعتمد على الإخلاص ونبل العطاء ومعرفة نفسه سيلجأ إلى طرق خاطئة ومَرَضِية محاولاً أن يستمد منها شعوره بالقيمة الذاتية مضيفاً المزيد من الشعور بالضياع إلى نفسه إضافة إلى إصابته بالمرض القلبي والاضطرابات النفسية كلما تفاقم الأمر.

تتنوع الطرق الخاطئة في محاولة التعويض، فقد يلجأ الشخص للتسلط على غيره مستخدماً أسلوب السيطرة والتحكم للإحساس بقيمة واهمة، أو الانتقاص من غيره لتصغير كل من له شأن لينفش ويكبر عليه، أو التعدي على غيره لفرض قدرة كاذبة، أو الإدمان على الاهتمام بالشكل والمظهر لوضع قِناع يُخفي الفراغ الداخلي النفسي، أو الإدمان على الشاشات أو الدخان والمخدرات للهروب من مشاعره السلبية اتجاه نفسه وغيرها من الطرق التي يمكن اكتشافها من خلال الاستبصار الداخلي بأنفسنا لنعي دوافعنا إلى أين تسير بنا وتأخذنا قبل أن نترك واقعنا ونقف بين يدي الله وقد أتيناه بقلب مريض، “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء/ 88-89)

مفتاح البدء في التغيير أن تعلم أن جميع الدراسات والأبحاث العلمية تشير إلى أن السعادة في الدماغ والإحساس بالقيمة مرهونة بتفكيرك وعملك وغايات وجودك وليست مرتبطة بما يجري حولك أو ما يقدمه الناس لك أو ما يشاهدونه منك، فاصنع قيمتك بنفسك واقطف سعادتك بيدك.

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثّر/38)

 


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 

 

(9) تعليقات



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!