“اثبت نفسك” مقولة صحيحة أم خاطئة؟

“اثبت نفسك” مقولة صحيحة أم خاطئة؟

بقلم مها شحاده مؤلفة منهاج تفكر مع أنوس

“اثبت نفسك”.. أو “اثبتي نفسك” مقولة تنتشر في مجتمعاتنا.. والهدف منها تشجيع الإنسان ليعمل جهده فيثبت أنه شخص قدير ومميز.. نريد أن نحوم قليلاً حولها لنرى هل تزودنا هذه المقولة بالقوة أم بالضعف؟ فنعرف هل يجب أن نستفيد منها أم نرفضها..

يتألق الإنسان ويبدع كلما كانت دافعيته للعمل من الداخل، عندها يستطيع أن يتجاوز العقبات والإحباطات التي لا بد أن يمر بها كل إنسان في عمله وفي حياته..

كيف نعرف أن دافعيتنا داخلية أم خارجية؟

الدافعية الداخلية هي الرغبة الداخلية للإنسان أن يقوم بالعمل لأنه مقتنع به ويحبه، ويريد أن يتحسّن به ويؤديه على أكمل وجه ليكون بالمستوى الذي يحقق له الرضا الذاتي، تلك الدافعية الداخلية للإنسان العادي، أما المؤمن فيزداد على ذلك بأنه يبتغي بعمله مرضاة ربه، ويريد أن يجد هذا العمل في ميزان حسناته يوم الحساب.

الدافعية الخارجية هي الرغبة بالقيام بالعمل بدوافع من الخارج، بحيث تنمو هذه الرغبة وتزداد عند المكافآت المادية أو استحسان الناس، وتتراجع عند تغير هذا الاستحسان أو المكافآت، والدافعية الخارجية مؤقتة بحسب تكرار الحافز الخارجي، بحيث تضمحل عند إيقافه أو تتراجع.

ماذا يحدث عندما تعمل لتثبت نفسك؟

يعتقد الإنسان عندما يتبنى هذه الفكرة بأن نيل الاستحسان والتقدير والثقة والمكانة مرتبط بما أقوم به الآن وبما أقوله عن نفسي، وهو اعتقاد خاطئ، لأن الإنسان قد ينال بعض الاستحسان أو التقدير عندما يقوم بعمل جيد الآن، ولكن هذا لا يجعله يثبت نفسه أنه جدير بالثقة والمكانة، فحتى يستحق الإنسان الثقة يجب أن يمضي عليه وقتاً يُظهر فيه صبره على العمل، ومرونته وإيجابيته في المواقف الصعبة، وقدرته على تخطي الإحباطات، وتقبله للنقد البنّاء، وحرصه على إتقان العمل بغض النظر عن المحفزات الخارجية، لأنه إنسان مخلص بعمله، وهذه لا يحدث في يوم وليلة، بل يحتاج وقتاً تظهر فيه هذه المهارات النفسية التي تؤدي إلى العمل المبدع والمتقن، والذي يؤدي إلى استحقاق الثقة، بالرغم من أن الذي يمتلك هذه المهارات لا يعمل كي ينال الثقة بل لأنه مخلص بعمله، ولكنه يسعد بسعادة مسؤوليه ورضاهم، لأنه يشعر بأنه أدى الأمانة.

عقلية “اثبت نفسك”:

1-    عندما تعمل لتثبت نفسك لن تصبر على نقد المسؤولين وتوجيههم لك، لأنك ستعتقد أنك بذلك غير كفء، مع أن الكفاءة تنمو وتتراجع، وليست معياراً ثابتاً، فعدم تقبل النقد يجعلنا محدودين جداً لا ننمو ولا نزدهر، بينما عندما تعمل لترضي الله وتخلص بعملك ستتقبل النقد بروح إيجابية، وستعمل على تطوير نفسك، وعندها ستتقدم للأمام في أداء الأمانة واستحقاق الثقة.

2-    عندما تعمل لتثبت نفسك، ستعمل على إخفاء أخطائك وتبريرها وتجنب الاعتراف بها، مما يجعلك تصغر في أعين الآخرين وفي أعين مسؤوليك، بينما عندما تعمل وأنت مخلص لله مستشعر الأمانة، ستحرص أن تتعلم من أخطائك وتصححها لأن الله يرى عملك.

3-    عندما تعمل لتثبت نفسك ستخاف عندما تمر بصعوبات، لأنك تظهر البراعة والكمال، فلا يجب أن يكتشف أحداً ضعفاً فيك، والخوف يمنع التركيز وإبداع الحلول، مما يجعلك تخفق في مواجهة الصعوبات والإحباطات، فتلجأ إلى التبرير أو لوم الآخرين، فيتراجع عملك.
بينما عندما تعمل لمرضاة الله ستستعين به وتحاول وتبذل جهدك لتؤدي الأمانة وتتقن عملك، فالله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، مما يجعلك تتقدم وتتطور وتنال الثقة.

4-    عندما تعمل لتثبت نفسك ستغار عندما يتميز أحد من الناس من حولك، وستعتقد أنه أفضل منك، مما يعني أنه أثبت نفسه وحرمك الفرصة، مما يجعلك تُشغل تفكيرك به، ومشاعرك بالقهر والغيظ، فتنطفئ بصيرتك، وتخبث سريرتك، وتفقد عمق التركيز على عملك، لأن المشاعر السلبية تُفقد التركيز والبصيرة، مما يجعلك تتراجع وتخفق، ويتقدم غيرك.
بينما عندما تعمل بإخلاص لترضي الله، ستسعد بتميز غيرك، لأنه يلهمك التميز والتقدم والنمو، مما يجعلك تؤدي الأمانة وأنت راضٍ، وقلبك يدعو الله أن يتقبل منك لحظات الكدح في هذه الحياة الدنيا.

(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)

“اثبت نفسك” تجعل الإنسان من ذوي العقليات الثابتة Fixed mindset – التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة – وهي العقلية التي تؤمن أن الذكاء والمواهب والقدرات ثابتة منذ الولادة لا تتغير، ومعيار النجاح لديها هو ثناء الآخرين، دافعية هذه العقلية خارجية مرتبطة بالمكافآت المادية واستحسان الناس وثنائهم.

وأما الإخلاص في العمل فيجعلك من ذوي العقليات النامية Growth mindset  وهي العقلية التي تؤمن أن الذكاء والموهبة والقدرات تنمو عند المحاولة وبذل الجهد وطلب المساعدة من الآخرين، ومعيار النجاح لديها هو التعلم والنمو، دافعية هذه العقلية داخلية مرتبطة بمتعة التعلم والنمو الذاتي والإبداع.

موضة “اثبت نفسك” تنتج أفراداً إخلاصهم ضعيف، صبرهم قليل، تكوينهم هش، يبحثون دوماً عن كيفية تبرير أخطائهم بإلقاء اللوم على الظروف وعلى الآخرين، بينما يتقدم غيرهم عنهم ويقطعون مسافات، وهم لا زالوا محدودين وسيبقون محدودين ولن يستطيعوا أن يثبتوا أنفسهم حقيقة ما داموا بهذه العقلية.

تعليقان


  • الشكر الجزيل على هذا هذا المقال.. من اساليب التربية مع الأبناء التحفيز المستمر وهذا يعتبر مقولة ( من ورائها انك أثبت نفسك يا ولدي او يا بنتي ) ..لكن الإستمرار في هذا يجعل الأبناء يعتقدون جازمين أنه لا بد من مقولة في استحسان أعمالهم وتصرفاتهم ..فكيف نوفق بين التحفيز و بين توازنة العمل الدؤوب الذي لا يشترط فيه كلمات التحفيز والشكر ليتحقق التدريب على اثبات النفس ..مع الشكر لهذا المقال المتقدم .


  • فرح

    تسطر بماء الذهب جزاك الله خيرا



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!