أين أجد الحبّ الحقيقي؟

شيء ما بداخلنا..  يدفعنا لنسعى ونتحرك.. قوى عظيمة تحركنا لنجري ونعمل.. في صباحنا.. وفي مسائنا.. كأننا نبحث عن شيء نريده.. هنالك شيء عميق بداخلنا نحتاجه..

نعم .. نحن نتحرك في يومنا لدوافع كثيرة.. فربما أننا نتحرك سعياً للنجاح .. وربما نريد أن نشعر بالقوة.. وقد نتوق للتميز.. ونرغب بأن نتحلى في عيون من حولنا بالجمال والكمال..

لكن هلا تساءلنا عن حقيقة دوافعنا؟.. وما وراء تحركاتنا؟.. هل نرغب بهذه الأمور لذاتها؟.. أم لأنها وسيلة تلبي حاجات أخرى كامنة في أعماقنا؟.. في داخلنا؟.. في عمق العمق؟!..

تساءلت وتساءلت.. ثم فتشت ومحصت.. فشعرت بأننا نريد شيئاً آخر.. شيئا ما.. وراء هذا النجاح والتميز والجمال..  شيئاً ما.. يجلبه لنا.. نجاحنا وجمالنا وتفوقنا..

قد رأيت.. أننا كثيراً ما نسعى.. ونحن نريد أن  نشعر بالقبول.. ونتحرك.. ونحن نتعطش للتقدير.. ونتفوق.. ونحن نرغب بالحب.. نريد أن نشعر بالحب… ونريد أن نتبادل الحب.. فإن  أرواحنا– حقيقة – لا تسكن إلا بالحب.. فهي ظمأى للحب.. ولا يرويها إلا الحب..

آه ..إني أشعر بقلب كل واحد منا يفتقر إلى الحب وينادي عليه :”أين أنت أيها الحب؟.. أين أجدك؟.. أحتاجك.. ولا أرى سعادة بدونك!…. أرح نفسي أيها الحب.. وأخبرني أين أجدك؟.. فقد تعبت من الجري والبحث.. والسعي من أجلك.”

كم أرى في عيون البشر ظمأ قلوبهم لك أيها الحب.. وكم أشعر بحاجتهم للسكون والسعادة..

إني أسمع الآن.. مناجاة رقيقة.. ومناداة حنونة.. همس بها قلب إنسان قائلاً للحب: “بحثت عنك أيها الحب عند شتى  البشر.. وكلما ظننت أني وصلت إليك.. أو أنني تحسستك.. أجدك اختفيت.. ولا أجد إلا الوهم.. أخبرني أيها الحب.. فقد تعبت.. وكدت أصاب باليأس أن أجدك يوما ما.. “

سمع الحب نداء القلب فأجاب: ” تريدني.. أيها القلب لتنبض؟.. تتعطش روحك إليّ لتحيا؟..نعم.. فأنا حقيقة السعادة.. وأنا غاية الوجود.. من وجدني.. فقد وصل.. ومن فقدني.. ضاقت روحه وضاع عمره ومسعاه.. ” 

تساءل الحب وأكمل: ” تبحث عني عند البشر؟.. ربما تجدني يوماً.. لكنك لن تجد حقيقتي.. إنما يكون شعاعاً ضعيفاً مني.. يشرق تارة.. وينطفئ أخرى.. فإن البشر.. إنما يحبونك لأجلهم.. لا لأجلك.. فربما آلموك لتحسن إليهم.. وربما منعوك وحرموك.. وربما أساؤوا فهمك فأحزنوك.. فعندها ينطفئ شعاعي”..

“حسناً.. أخبرني أيها الحب.. أين أجدك؟.. أخبرني وأرحني..” سأل القلب بحرارة.

أجاب الحب: ” تريد أن تتمتع بي عند ” كائن بشري”؟.. نعم.. إن كان حلالاً ستجد ذلك .. وإلا أُضرم قلبك نارا بعد الحب.. ستجدني يا قلب في حب حلال.. ومع ذلك.. سأشرق على قلبك تارة.. وأنطفئ أخرى.. فإن البشر يخطئون.. يعتريهم الضعف.. فهم لا يستطيعون أن يجلبوا لأنفسهم النفع.. ويدفعوا عنهم الضر.. فكيف يجلبوا لك ويدفعوا عنك؟.. ربما لن تجدهم لك يوماً.. وربما لن تجدهم معك دوماً.. فإنهم بشر.. الضعف مجبول فيهم”..

“إذن.. أين أجدك أيها الحب؟.. لقد أتعبتني وراءك.. ” تنهد القلب

أجاب الحب: “أيها القلب ستجدني.. نعم ستجدني.. وستجد حقيقتي لا أطيافي .. ستجدني عندما تتذوق  الجمال.. وسأتحرك في أعماقك.. عندما تشهد الكمال.. وسأشرق بين أضلعك.. عندما ترى الإحسان.. لكن تذكر.. بـأني لا أبقى ولا أقر في جوفك إلا إذا.. ذقت جمالاً سرمدياً لا ينفد.. وكمالاً لا يعتريه الضعف والنقص.. وشهدت إحساناً دائماً لا ينقطع”..

قال القلب: ” أيها الحب أريدك.. أريدك أن تأتي وتتحرك وتشرق في أعماقي.. فأنت حياتي ومناي ومهجتي.. دلني على الطريق إلى قرارك.. دلني لأجدك فأسعد..”

أيا قلب.. تفكر

قال الحب: “أيها القلب هلا تأملت في نفسك؟..  هلا تفكرت في أحوالك؟.. فلو أبصرت نفسك لعرفت ربك.. وتدفق الحب.. يغمر كيانك.. فإن الحب أقرب إليك من نبضاتك!..”

تفكر القلب في نفسه.. وتقلب في أحوال هنائه وشقائه.. فتحركت مشاعر الحب في جوفه وأنشد:

تعلقت بقدرتك ورعايتك

” أيا قلب…تيقظ…أيا قلب.. تعلق.. بمن أوجدك ويرعاك.. في نهارك وفي مساك.. وبالقوة يمدك.. وبالفهم ينير دربك.. فأنت بإمداده  تحيا وتستمر .. وبدونه تطوى  وتندثر.. فحياتك به.. ومآلك إليه.. ياه !.. كم أحبك يا من حياتي به.. وأمري كله بين يديه..

ما ألذ إحسانك

أيا قلب.. تنبه.. أيا قلب.. تأمل.. مع كل شربة ماء تروي الضلوع.. وفي كل لقمة لذيذة تسد الجوع.. ومع كل شفاء بعد السقم.. ومع كل رحمة بعد الألم.. أبصر عطاء الله يغمرك.. وبالحب يشحنك.. ياه كم أحبك يا من تطعمني وتسقيني.. وترعاني وتشفيني.. نعم.. أحبك وأحبك.. فأنا أهنأ ليل نهار.. بعطائك وإحسانك..

ربي.. إني أرقد ثم أصحو .. فأجد رحمتك سبقت إدراكي.. عادت روحي تتنشر يقظى في أعضائي.. واستعدت وعيي.. وشحذت مشاعري بأمل جديد.. أتنسم فيه الخير المديد.. فأقوم وأسعى برحمتك.. وأتحرك في سائر يومي برعايتك.. إنساناً أكرم أيما إكرام.. روحه نفخة من روح الله…فيا الله ما أحن رعايتك.. وكم يتجدد – في كل يوم- كرمك وعطاؤك..

أحب شدة حنانك

أحياناً.. أشعر بالهم يلف كياني.. والإحباط يزلزل أركاني.. فترسل لي ربي.. بشرى تزيل همي.. أو يداً حانية تمسح أحزاني.. أو حتى نعاساً.. أفيق بعده لأرى همومي قد تضاءلت وتصاغرت.. وحلت مكانها بسمة أمل.. تشرق على قلبي.. ما أرق ودك.. وما أعظم عنايتك.. أحبك وأحب مواساتك.. وشدة حنانك..

أخطئ.. فتحلم علي.. وتعفو عن كثير.. أتمادى فتعيدني إليك.. بابتلاء يطهرني من ظلمي وزللي.. ويرفع مقامي ومنزلتي.. تشتد الدنيا علي.. فألجأ إليك وأدعوك.. فتتولى أمري.. وتقضي تدابيرك بما فيه الخير لي… والحكمة والرحمة منسوجتان بين أقدارك.. فسبحانك.. ما أعدل حكمك.. وما أشد عونك.. وما أعذب حنانك في بلائك..

أشرق بحبك.. عندما أرى الرحمة والحب في قلوب الناس من حولي.. فأنا.. إنما امتلأت بالمعايب.. فأظهرت للناس مني المزايا والمواهب.. ما ألطف سترك.. وما أجود كرمك.. أحبك لروعة حنانك..

تعلقت بجمالك الخالد

يتوق قلبي إلى تذوق الجمال.. وإشباع حواسي ووجداني بعذوبته.. فيتعلق قلبي بألوان الغروب..وتفتح الورود.. وتغاريد الطيور.. وصفاء البحار.. وبراءة الصغار.. وريشة فنان.. ونور إنسان.. فينبض القلب بحبك.. فإنما جمالهم ظل لجمالك.. يا واهب الجمال.. ومعيده بعد الأفول.. أحبك.. وأحب جمالك الخالد..

ما أروع ودك مع غناك

تكرمني وأنت غني عني.. ترزقني وأنا لا أنفك عن معصيتك.. ترعاني وأنا في غفلة عنك.. آتيك بالسيئات فترسل الورود.. تكافئني بقليل عملي جنات الخلود.. خيرك إلي نازل.. وشري إليك صاعد.. ومع ذلك.. تتودد إلي وأنت غني عني.. وأنت ملك الملوك.. وأنا عبد السوء.. ألا ليته ينصلح حاليوأكون أهلاًلنيل محبتك ومرضاتك.. أحبك.. وأحمدك على حلمك بعد علمك.. وعلى ودك مع غناك..

أحتاج قوتك وأخبت إلى عظمتك

فاقة كبيرة في أعماقي.. لأستند إلى ” قوة عظيمة”.. وحاجة ملحة في نفسي.. أن تكون هذه القوة.. ممزوجة بالعظمة الحانية.. والسيادة المطلقة.. والعلو الذي لا يفارقه القرب والعلم بالحال… والعزة التي تخالطها الرأفة والجمال..  

فحاجتنا أن نتجه إلى هذه القوة العظيمة وإلى المغيث الذي لا يتخلى عنا.. هي حاجة أبدية.. ومستمرة لا تتوقف.. فإنا خلقنا ضعفاء.. نحتاج أن نتكئ..

يا من تسمعني.. وتجيب فاقتي.. وحاشاك أن تتخلى عني عند ملمتي وكربتي.. ويا من يمدني بأسباب القوة لأقوم بعد ضعفي.. وأتعلم بعد جهلي.. وأتحرك بعد عجزي.. يا قوي يا متين.. يا من العظمة والسيادة والملك كله إليك.. كم أحب قوتك وعظمتك..

فإنما الحب منك.. والحب إليك.. والحب أنت خلقته وأوجدته.. فلا يكون إلا لك ولأجلك.. ما أعذب حبك وما أقواه.. وما ألذه وما أصفاه.. هنيئاً  يا قلب لمن ذاق حقيقة الحب.. وعرف سر الوجود..”

اللهم ارض عنا ربنا.. واهدنا سبيل مرضاتك.. وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.. كي نكون كما تحب.. يا واهب الحب.. كم نحبك..  


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

تعليق واحد


  • سعيد متقي

    اشكركم جزيلا الشكر والتقدير على هذا الموضوع الذي نحتاج اليه في هذا الزمان الذي قل فيه .
    نحن زمان قزم معناه وعند بعض الناس غير معناه تماما.
    فما أحوجنا لمن يصحح لنا مفهومه وردنا إلى الصراط المستقيم.
    سعيد متقي



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!