“أريد أن يكون ولدي هو الأفضل..” عبارة قد تدمّر بها ولدك وأنت لا تدري!!

إننا جميعاً آباء وأمهات نريد أن يتميز أبناؤنا ويتفوقون في كل مجال يخوضونه في حياتهم، وترانا ندفعهم بعباراتنا التشجيعية والتحفيزية ليتقدموا في طريق التميز والنجاح.
كل هذا طبيعي ومطلوب، ولكن هناك مشكلة خرجت من هذا الباب محقت توفيق الله لهذه الأمة، بل ولكثير من الأبناء، وجعلت الغيرة والسخط تلفان قلوبهم لفاً.
إن كنتِ أماً تدفعين ولدك للتميز ليكون هو الأحسن والأفضل ولا يسبقه أحد فأنت تؤذينه أذى كبيراً في الدنيا والآخرة، وعليك أن تكوني أكثر وعياً لدوافعك التي ستشكل دوافعه.
كثير من الآباء – وللأسف من فئة المثقفين والملتزمين – يقومون بدفع أبنائهم للتميز بطرق تنبت الأمراض في قلوبهم وتجعلهم يكرهون الخير للآخرين فينتكس إيمانهم، لأن محبة الخير والتوفيق والتميز للناس هو أساس في نمو الإيمان وبركة التوفيق.
كذلك تكسبهم عقلية ثابتة fixed mindset وهي العقلية التي لن تبدع في حياتها، لأن معيار النجاح في نظرها هو ثناء الناس عليها وشعورها أنها الأفضل، وهي شخصية تتجنب التحدي لتتجنب الفشل، لتحافظ على نظرة الناس لها بأنها الأفضل، لديها عادةُ تفكير خاطئة بأنها يجب أن تكون الأفضل في كل شيء وإلا فإنها فاشلة، وبالتالي تتألم عند كل تميز تراه عند غيرها، فتفقد سعادة الرضا وحب الخير للناس وهي السعادة الحقيقية، لأن عقلية التفكير لديها مبنية على المقارنة السلبية، وليس على متعة التعلم الذاتي وطلب مرضاة الله.

إن تصنيف الطلاب في الصفوف بناء على العلامات المدرسية هو أساس في بناء عقليات ثابتة، خاصة عندما يمنح المعلم رضاه لطلابه وفقاً لتحصيلهم الدراسي، ونحن لا نستطيع أن نغير نظام العلامات، ولكن نستطيع أن نوسّع تقديرنا ليشمل الجميع بناءً على ذكاءاته المرتفعة وبذل الجهد والمحاولة، فكلنا يعلم أن الإبداع والنجاح ونفع الناس في الحياة الواقعية ليس مرتبطاً بالتحصيل الدراسي، وكلٌّ ميسّرٌ للنجاح عندما يعمل وفق ذكاءاته المرتفعة.
كما أن صفاء القلب وحب الخير للناس هو أساس في نجاح الإنسان في الحياة المهنية والاجتماعية، لأن هذا الإنسان النقي هو الذي يكسب القلوب ويبني فِرَق العمل الناجحة. وإن 85% من نجاح الإنسان في الحياة مرتبط بالذكاء العاطفي الذي يستند إلى تقدير الذات والصبر ونقاء المشاعر.
إن تقديس العلامات المدرسية هو أكبر باب لإكساب أبنائنا عقليات ثابتة وجعلهم محدودي التفكير.

أتمنى من كل أب وأم مراجعة أنفسهم:
1- هل أدفع أبنائي للنجاح من خلال مقارنتهم بغيرهم؟
إذا كنت أفعل ذلك فأبنائي لن تكون لديهم ثقة بالنفس وسيكتسبون عقليات ثابتة، وسأفتح باب قلبهم لاستقبال الأمراض القلبية مثل الغيرة والحسد والسخط وكره الخير للناس، وبالتالي لن يذوقوا طعم السعادة الحقيقية التي أساسها الرضا، فضلاً عن أن الله سيحرمهم توفيقه وبركة الحياة الدنيا.
ناهيك أن هذه الأمراض تحرق حسنات الإنسان حرقاً، فلا ندري ماذا سيكون مصيره في الآخرة.
2- هل أدفع أبنائي للتميز من خلال أنني أريدهم الأفضل عن غيرهم؟
وسيسأل سائل، ومن منا لا يريد أن يكون أبناؤه هم الأفضل؟
الأفضل هنا أي: لا يسبقهم أحد في شيء، وبالتالي التألم عندما يتقدم عليهم أحد، هذا مرض!!
لا يوجد أحد هو الأفضل، فالتميز ليس له حدود، وتنوع القدرات ومجال تنميتها ليس له رقم.
يجب أن ندفع أبناءنا للتميز حباً في العلم ونفع الناس بالخير (من دون أن يتخيلوا أنفسهم في مضمار سباق)، وليكونوا قدوة في المجتمع يدفعون الآخرين للتميز مثلهم لينهض المجتمع وتنهض الأمة.
يجب أن نعلم ويعلم أبناؤنا أن ألوان التميز ليس لها حدود. وكلما رأيت أحداً يتميز في لون يجب أن أفرح وأحبه وأحب له المزيد، لأني أحب له الخير ولأني سأتعلم منه ولأنه بتميزنا جميعاً تنهض أمتنا.
كم أتألم عندما أشاهد كم أن هذا المرض ينتشر في مجتمعاتنا وفي جميع البيئات، المثقفة والجاهلة، المتدينة وغير المتدينة، الغنية والفقيرة، ثم نتساءل لماذا لا يوفق الله هذه المجتمعات؟، ولماذا نحن بهذا الذل العالمي؟.
ولا أدري ما هي محدودية التفكير التي تحيط بالناس؟ وهل ستنهض أمتنا إلا بحب الخير والتميز لبعضنا، وأن نغرس حب التعلم والتعاون والتكامل في نفوس أبنائنا وطلابنا؟
إن الأمر يخرج من رحم وتفكير الأم، ومن وعي المعلم وسعة أفقه.

يجب أن نغرس في أبنائنا وطلابنا أنه:
ليس من المهم أن أكون الأفضل، المهم أنني أعشق التعلّم ولديّ هدف (أو أهداف) أحبها، أتقدم نحوها كل يوم. اخترت هدفي لأنه يتوافق مع قدراتي ولأنفع بهذا الهدف نفسي ومجتمعي، لأكون قدوة للناس في حب الخير طمعاً في نيل مرضاة الله تعالى.
هذا أساس في تحفيز الناس للخير بقلب نقي، وهو أساس في امتلاك عقليات نامية تندفع حباً للتعلم Growth mindset، تعانق التحديات حباً للتعلم والخير وليس لأنها تريد أن تكون أفضل من غيرها، لا يسبقها أحد.

وهذه الأهداف نشتغل عليها في غرفة الصف في المستوى الرابع من منهاج تفكر “أفكاري ومشاعري” لإكسابهم قواعد في التفكير الإيجابي التعاوني للاندفاع نحو المعالي حباً في الخير وطلباً لمرضاة الله تعالى، وليس ليسبقوا غيرهم. وللأسف نتفاجأ ونتألم أن هذا التفكير غير موجود لدى الطلبة إلا نادراً، بل ونتفاجأ عندما تقول لنا طالبة من الطالبات المتفوقات ” أحب الخير لغيري؟! يعني أحب أن تكون غيري الأولى مثلاً! لا يمكن ذلك!”، فالأنانية عند غالبية المتفوقين قد وصلت إلى درجة مرضية منذ الصف الخامس
والسادس مع الأسف “أنا وبس!”. وكان المستوى الرابع علاجي لهم وليس وقائي، وحتى أن غير المتفوقين يتولد لديهم الكره للمتفوقين بسبب تفضيل المعلم المشروط بالتفوق أو بسبب لوم آبائهم لهم لعدم التفوق.
ولا أدري.. ما الخير الذي سيخرج من هؤلاء الطلاب الذين مرضت قلوبهم منذ نعومة أظفارهم بسبب أنانية الآباء وجهل المعلمين.

أرجو من كل أم وأب ومعلم أن يراجعوا أنفسهم بصدق، ويتوبوا إلى الله توباً نصوحاً عن كل مرة دفعوا أبناءهم وطلابهم وهم يزرعون الأمراض في قلوبهم، قبل أن يفاجأ الإنسان بحجم الإثم الذي ارتكبه، والذي لم يكن ملتفتاً له يوم لا ينفع الندم. أرجو تمحيص أنفسكم جيداً لأنه يندر أن ينجو اليوم أحد من هذا البلاء الذي حل بقلوب الناس، والذي حرمهم تأييد الله، فالـ “أنا ” في مجتمعاتنا وصلت لمرحلة مرضية من حب النفس حباً أنانياً وكره الخير للناس، بسبب المقارنات المستمرة في العقل اللاواعي مما أدى إلى الغيرة والسخط، والسبب:
“كلمات وتصرفات الأبوين والمعلم”.. بالدرجة الأولى.. والتي تؤسس قاعدة للتفكير المبني على المقارنات، والذي ينمي مشاعر الغيرة والسخط في تشابكات التفكير والمشاعر في الدماغ، فيُمضي حياته وما عرف الرضا ولا السعادة. وكلما كان المرض أكبر كانت التعاسة الداخلية أكبر مهما بلغ من نجاح في الظاهر.

ولن تذوب “الأنا” في مجتمعاتنا إلا بالانتماء إلى الأمة، بتنمية مشاعر هذا الانتماء من خلال دفع أبنائنا للعمل لتنهض هذه الأمة، ولن تنهض أمتنا إلا إذا أعدنا النظر في عباراتنا التي نشكل بها قلوب الأجيال. فإما أن نعي كل كلمة ندفع بها أبناءنا لنشكل قلوباً نقية يحبها الله ويوفقها، وإما أن تزداد أمراضنا ونزداد ذلاً حتى يقع بنا البلاء ليطهرنا تطهيراً، فالخيار بيدنا.
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”..
اطّلع على المستوى الرابع من منهاج تفكر

 


بإمكانك الآن الاشتراك بالقائمة البريدية ليتم إعلامك حول البرامج التدريبية للباحثة مها شحاده، أو تعبئة النموذج التالي:
>> أعلمني عند انطلاق البرامج التدريبية


احصل على منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالأسرة

تعرف إلى منهاج تفكر مع أنوس الخاص بالمؤسسات التعليمية

 

 

 


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

error: Content is protected !!